الرئيسية سياسة تغيير الحكومة ليس أهم من تغيير النظام السياسي

تغيير الحكومة ليس أهم من تغيير النظام السياسي

0
0

أصبح الشأن السياسي في تونس مدعاة للسخرية والقلق في آن واحد ، فإن لم تقدم الثورة للشعب إلا الحرية فإنها منحت للسياسيين فرصة ممارسة السياسة بمنأى عن مشاغله. لقد اقترنت مطالب الناس في شتاء فاصل بين 2010 و 2011 بشعور امتزج بين الطموح لتحسين الوضع الاجتماعي ونيل الحق الحرياتي . لكن بعد فترة ، فهم الناس أن الحكم ليس تسييرا لمخزون مالي وفير وتقسيمه على أفراد الشعب بل هو عمل عميق يتطلب الحكمة والعمل على توفير المال في الميزانية والمشاريع في الاستثمار والتشغيل وتهيئة الأرضية القانونية لتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي. المهم ، أرسيت الديمقراطية ليصعد الجميع للمجلس التشريعي ولو ببعض الأصوات.

في آخر محطة انتخابية ، صعد الساسة على المنصات في المساحات العامة داخل البلاد ، اجتاحوا المنابر الإعلامية ليعلنوا وعودهم بدولة الرفاه ، تحدثوا عن كل شيء من منحة البطالة ، و الاستثمارات العملاقة إلى قاعات السينما في كل مدينة . كانت ليالي السكاكين الطويلة ، والتهجم المتواصل وتحميل المسؤوليات. وكل حزب بعث مفكره الاقتصادي للحديث عن برنامجه الإصلاحي. وكل في قلبه امر ما، هنالك من يرغب في الانتقام وهنالك من يريد إنقاذ نفسه من الحساب وهناك من يرغب في الالتحاق بركب اكلة ثمار الديمقراطية .

لازلت أذكر ليلة النصر ، رفع الاعلام واللافتات وابواق السيارات عمت البلاد، نعم حزبنا انتصر ، ويهرول الجميع لنيل منصب يأكل منه شيئا من ثمار الديمقراطية . بعد مدة ، كلهم ذهبوا للبرلمان لبحث الصراعات الاديولوجية، الحرب في ليبيا نصطف لطرف فيها ، نحاسب فرنسا وتقدم لنا الاعتذار ، نهاجم تركيا وقطر والإمارات والسعودية ، نحن ضد السيسي؟؟ هذه الدولة الصغيرة الموحدة في قاعها قسمها ساستها في اعلاها.

يعلم العالم أن الدولة التونسية موحدة أكثر من غيرها فلا فوارق اجتماعية وطائفية ودينية تجتاحها، قدمت درسا في التآخي والتسامح رغم بعض النقائص التي سبب عدم اكتمالها هو الجانب السياسي . لا تريد الدولة ممثلة في طبقتها الحاكمة على مر سنوات الإعتراف أنها اصطدمت بالجدار ، من أجل المنفعة الوحيدة للسياسيين غير القادرين على تحقيق وفورات في الميزانية ، أو زيادة الإيرادات ، والذين يظل اختراع النفقات الجديدة بالنسبة لهم المهنة المفضلة .

والمواطنون اليوم هم جبناء بما فيه الكفاية لعدم تحمل نقل عبء الجهود التي يرفضون القيام بها للحفاظ على رفاههم إلى الأجيال التالية. لذلك قال مؤخرا رئيس الحكومة أن الشعب يجب أن يعي جدا بضرورة التضحية من أجل وقف التداين . اليوم ، يجب أن نقضي على التداين قبل أن يقضي علينا بتحمل مسؤولياتنا في هذا الجانب .

إن قبول الناس بالتضحية يظل رهين شعورهم بصدق المسار والتوجه وهذا لا يتحقق إلا باستقرار على مستوى القيادة السياسية المتحكمة في نفس الوقت في الجانب الاقتصادي والاجتماعي، لذلك فهذا يحتاج للإيمان المطلق بأن تغيير الحكومات شأن لا يفيد في شيء طالما نغير فقط من أجل حسابات سياسية ضيقة . وهذا التغيير المتواصل لن يتوقف طالما ظل النظام السياسي على شاكلته الحالية لأن عشر سنوات كفيلة بالحكم عليه ، فهو لم يقدم استحقاقات تخص الحياة اليومية للتونسي.

إن صحوة السياسيين لن تتحقق إلا بتعاليهم عن خلافاتهم الضيقة وتطلعهم للمشترك الأسمى والمجسد بين أفراد الشعب لو تمعنوا فيه جيدا. المشترك الأسمى يقوم على تطلع الجميع لتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي بلا حروب اديولوجية ودينية وسياسية . وإن كانت عشر سنوات كفيلة بالحكم على نظام سياسي فإن اربعة اشهر غير كفيلة بالحكم على حكومة وتغييرها بصفة كاملة .

محمد وسيم العيفة