الرئيسية أراء التعاون العالمي بين الدول ضمانة لتجاوز الأزمة

التعاون العالمي بين الدول ضمانة لتجاوز الأزمة

0
0

إن غياب التعاون بين الدول في مسار مكافحة جائحة فيروس كورونا التي تضرب العالم سيكون سببا كبيرا في تضرر الشعوب ودفعها تكاليف كبيرة. ” وصلنا إلى 100 ألف إصابة في 67 يوما ، بعدها بإحدى عشر يوما حصدنا 100 ألف إصابة أخرى، وفقط بعد هذا بأربعة أيام حصدنا 100 ألف إصابة أخرى ، ومن ثم في يومين فقط حصدنا 100 ألف إصابة أخرى ” – هذا ما صرح به مدير عام المنظمة العالمية للصحة Tedros Adhanom Ghebreyesus – أمام قادة الدول والحكومات في القمة المخصصة للنظر في مجابهة فيروس كورونا، في اليوم الموالي ، قام الكونغرس الأمريكي بأكبر مخطط لدفع الاقتصاد من جديد ، تمويل ضخم وخيالي بألفي مليار دولار سيتم توزيعها على الحكومات المحلية والأشخاص والمؤسسات المتضررة من الإجراءات التي اتخذتها السلطة الأمريكية في إطار مجابهتها لفيروس كورونا.

إن هذه المبادرة المتخذة من طرف السلطة الأمريكية بضخ السيولة ورؤوس الأموال في الاقتصاد لن تمكن الولايات المتحدة الأمريكية من تجاوز أزمتها ودفع الاقتصاد وهذا بالرغم من ضخامة المبلغ موضوع الإجراء. لقد تحدث عديد الخبراء على أن الولايات المتحدة الأمريكية ستتعرض هذا العام لأزمة اقتصادية خانقة وغير مسبوقة ، ينجر عنها اندثار لعديد مواطن الشغل و إفلاس لعديد المؤسسات وإخلاء لعديد المساكن والمحلات التجارية بفعل عدم الخلاص، هي بالفعل ملامح أزمة اقتصادية واجتماعية قد تضرب المجال السياسي فيما بعد .

وربما كل الدول اتخذت اجراءات في نفس السياق بضخ الأموال وتوزيعها على الفئات المتضررة من هذا الوضع الصحي الخطير و الغير مسبوق ولكنها قد لا تفي بالغرض . إن المخاوف الكبرى تتجلى في التأخير الحتمى والصعوبات التي تعترض تحويل الإجراءات إلى تحويلات مالية بالسرعة المطلوبة ، أمام تواصل الأزمة الصحية وركود الاقتصاد الذي سيظل متواصلا إلى حين إيجاد لقاح فعال في القضاء على فيروس كورونا ، أي ممكن أن لا يتحصل المستفيدون من هذه الإجراءات على المساعدات التي تم إقرارها إلا بصفة متأخرة ، هذا سيشكل بلا أدنى شك كارثة بالنسبة للمؤسسات الصغرى والمتوسطة التي تمثل بصفات متفاوتة بين الأوطان إحدى دعائم النسيج الاقتصادي ، حيث اذا ما تأخرت مساعدة الدولة فإن العديد من هذه المؤسسات ستغلق أبوابها خصوصا تلك التي طلب منتوجاتها من المستهلك يكون متقلبا وغير مستقر.

المواطنون الذين توقفوا عن الاستهلاك ، يصطفون الآن أو يتخذون الخطوات اللازمة للحصول على إعانة البطالة. قبل شهر ، في الولايات المتحدة ، كان هناك 200 ألف مطالبة كل أسبوع لتعويضات ومنح مختلفة من الأشخاص الذين فقدوا وظائفهم. في أسبوع 16 مارس ، ارتفع هذا الرقم إلى 3.3 مليون شخص ، أي ستة عشر مرة أكثر من الأسبوع السابق. يجب أن ندرك حقيقة أن الإقتصاد الأمريكي ليس الوحيد التي تضرر اليوم وسيتضرر غدا بشدة ، فالصين أيضا من جانبها تعاني من ثاني أخطر تباطؤ تشهده الدولة منذ السبعينات . يعتمد إقتصاد الدولة الصينية على صادراتها ومؤخرا شلت المبادلات التجارية بين الدول وتعطلت الرحلات وضعف الطلب الخارجي على المنتوجات الصينية .

إن العالم سيواجه أزمة إقتصادية غير مسبوقة ولن تكون محمودة العواقب أيضا، المعركة ضد فيروس كورونا ستكون باهظة الثمن لجل الدول خصوصا وأنها ستنقل الإنفاق العام الدولة وديونها إلى مجالات ومستويات أخرى. طبعا ، إن تأثير هذه الحرب على اقتصاد الدول سيكون متفاوتا بينها حيث ستكون الخطورة ذات مدى أكبر في الدول ذات الكثافة السكانية العالية التي مازال اقتصادها ونظامها الصحي غير مستقر، كالهند والبرازيل ونيجيريا وبنغلادش وجنوب أفريقيا وباكستان فرغم انخفاض كثافتها السكانية نسبيا فإنها تعاني في المقابل من مشاكل في المالية العمومية وأزمة حادة في تمويل الميزانية. إن الحرب ضد وباء كورونا تتطلب من الدول القيام بإجراءات محلية كاحتواء السكان وعزل المدن وضمان التضامن الاجتماعي بين المواطنين ، هي محتاجة أيضا لتعاون عالمي بين الدول في أسرع وقت ممكن.

الدول مطالبة اليوم أن تساعد بعضها البعض وأن تعمل على تضافر الجهود لتصميم وتنفيذ السياسات الاقتصادية وإرساء التنسيق المالي والنقدي وحسن إدارة الديون ، إلى جانب إزالة الحواجز في التجارة التي تخص الأدوية ومواد ومعدات الصحة خصوصا. الآن، يجب أن يتم التكامل بين العمل الفردي المحلي والتعاون الدولي على المستوى العالمي ، فالقضاء على الفيروس لا يمكن أن يتم إلا بمجهود عالمي حقيقي عن طريق تنسيق عالمي لتدابير احتوائه وتجميع الموارد الطبية في هذا الخصوص، فمليارات من البشر في الحجر الصحي و المبادلات بين الدول متوقفة والاقتصادات في نقطة الموت ، ولكي لا تتحول الأزمة الصحية إلى أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية عالمية يجب أن يتم هذا التنسيق العالمي للقضاء على هذا الوباء الذي إن مس بخطورة دولة فإن دول أخرى ستلقى نفس المصير.

في كل أزمة، نسترجع ما مرت به الدول على خاص والعالم على مستوى عام من أزمات سابقة مشابهة للأزمات الحالية ونذكر ما تم تفعيله على مستوى محلي وعالمي لمواجهتها. أزمة subprime التي ابتلي بها العالم منذ 2007 والتي أسفرت عن أزمة إقتصادية ومالية قاهرة انطلقت من الولايات المتحدة الأمريكية لتضرب جل العالم مما جعل الدول تعيد صياغة تعاملاتها المالية والنقدية على المستوى العالمي، كانت سببا رئيسيا في تنشيط مجموعة العشرين آنذاك حيث ترأسها في ذلك الوقت رئيس الوزراء البريطاني جوردن براون ، وكانت قرارات قادة الدول أن جعلوا منها المركز العصبي للتنسيق الاقتصادي العالمي ولا يمكن إنكار الدور الذي لعبته مجموعة العشرين بعد تنشيطها وتعزيز إجراءاتها في الحد من الأضرار الناجمة عن الانهيار المالي الهائل الحاصل بعد أزمة subprime.

إن الأزمة الصحية الراهنة لا يمكن أن ترى لالامها نهاية الا شاركت الدول بعضها البعض في الحد من اضرارها. فإن كانت العزلة الفردية ستنفذ الإنسان من خطر فيروس كورونا فإن العزلة العالمية بين الدول لن تساهم إلا في الزيادة من تكاليف الأزمة. لقد استشهدنا بأزمة subprime للتذكير بأن هذه الازمة الصحية محتاجة للاستناد لسوابق يمكن أن تكون مفيدة في الحد منها ، تنشيط مجموعة العشرين أحد أهم هذه السوابق خصوصا وأنها لحد الآن لم تلعب دورها المهم .

 

بقلم أحمد وسيم العيفة