الرئيسية أراء تغيير النظام السياسي لتحقيق نظام اقتصادي واجتماعي أفضل

تغيير النظام السياسي لتحقيق نظام اقتصادي واجتماعي أفضل

0
0
نهضوا باكرا باتجاه مكاتب الاقتراع ليمارسون حقهم الانتخابي في زمن قيل لهم فيه بأنهم في الديمقراطية سائرون ، شعب مقهور لكنه يساير ما كتبت له الأقدار. نهضوا باكرا، من ذلك المتقاعد الذي يظل ينتظر أجرا اشتغل من أجله سنوات في خدمة الدولة البارة إلى ذلك الطالب المصدوم بالواقع المتأزم، من تلك المرأة الموقرة المشتغلة في حقول البلاد لتحقيق رزقها الى تلك المرأة المرموقة التي تشتغل في أعلى مناصب حكومية فذهبت لممارسة حقها الانتخابي . لم يخيل لهم أن ديمقراطية الأقلية مخادعة ولقد سايروا الساسة في وعودهم وعقدوا العزم على آمال تحسين واقعهم.

الشعب التونسي ، وحدة لا يشق لها غبار ، أغلبه يحمل ثقافة علمية أو دنيوية ووعيا حقيقيا بالأمور، فحتى ذلك الذي لم يدخل المدرسة مطلقا يشتغل يوميا لاعالة أولاده سعيا منه لتحصيلهم العلم وتحقيقهم النجاح، هكذا هو التونسي ، يحب الحياة ويحب النجاح لكنه وضع في دولة مخنوقة ومكبلة بنظامها وسياستها . لقد فقد الأمل والتفاؤل، وأصبحت المعيشة الكريمة والحياة الآمنة حقا صعب المنال ، فالاسعار ارتفعت والنظام الجبائي خانق ، أما إمكانية خلق الثروة فأصبحت حلما صعب المنال تحت وطأة الميادين المغلقة والغير مشجعة بالتراخيص المعطلة في الغالب. وكل هذا لا تغيره إلا سلطة التشريع وحكمة الحاكم ، فالتغيير في حياة العربي عموما في هكذا أنظمة لا يكون إلا من فوق.

ربما يمكننا القول أن الهياكل العمومية في هذه الأنظمة لم تعد تمكن من تحقيق الآمال التنموية لشعوبها فمفهوم الدولة الخالقة للتنموية فشلت ما عدا في الدول التي لها ثروات باطنية وظلت على نفس المنوال. يبدو أن مسألة إرساء المؤسسات في الأنظمة العربية مطبوعة بنظام مؤسساتي محتلها السابق وبعيد كل البعد عن النظام المثالي الذي تحتاجه الدولة والذي يأخذ خصائصها وواقعها المجتمعي وينطلق في تحقيق التغيير. إن الدولة ليست نتاج تشكل تاريخ خصوصي لمجتمع معين فحسب بل يجب أن تخلق نظام اجتماعي وسياسي وفي لهذه الوحدة التاريخية ولكن منفتح على متغيرات العصر و تغيرات الظروف المجتمعية. لقد عجزت الدولة التونسية على خلق هذا ، وهكذا مباشرة ننتقل للدولة غير الرسمية عن طريق سلطات إدارية و نشاطات مجتمعية مرتبطة بشبكة تسيير موازية، تعاظم التجارة الموازية ، تغييرات دائمة على تصرفات الناس للهروب من الدولة الرسمية … وكل هذا يؤكد أن الدولة لم تخلق هذا النظام الشامل والمخصص في ان ، المهيء للحكم والحياة المجتمعية السليمة عن طريق نظام اجتماعي صلب وخالق للثروة وعادل في توزيعها لذلك تعاظم نظام تسييري بيروقراطي بلا فلسفة نظامية سياسية ومجتمعية حقيقية وايجابية .

طبعا ، لقد كانت نظرة المؤسسين للنظام السياسي في دستور الجمهورية الثانية ضيقا جدا فأرسى نظاما سياسيا يمثل عائقا أمام عملية اتخاذ القرار والحكم وبعث الإصلاحات في الدولة. سلطة تنفيذية برأسين وهيأت دستورية شمالا وجنوبا بأدوار ووظائف متداخلة . لذلك حصلنا على دستور ليس في مستوى المرحلة يؤسس لبنية تنظيمية غير مدروسة ، بالاضافة الى الانتقال الديمقراطي الهش بلا محكمة دستورية حامية له ، النقابة المقدسة فوق كل الشبهات، البنية التنظيمية الغير مدروسة ، نقص في الكفاءة وغياب للرؤية والجرأة ، كذلك العائلات السياسية الكبرى الغارقة في حرب التيه الاديولوجية، الالاعيب السياسية تحت الحسابات الشخصية خارج المسؤولية السياسية الوطنية.

أما الحالة الاقتصادية فهي تسير نحو أوضاع أكثر تأزما وهي نابعة من عدم فهم لمسألة الاقتصاد السياسي وممارسة سيئة للسياسات الاقتصادية الغير متكاملة والتي تقع تحت وطأة الزمن الضيق. وإذا دخلنا في باب الاقتصاد السياسي فإننا سنلاحظ أن مسألة التشريع وخلق إطار قانوني ملائم هي أول بند لتحقيق نظرة استراتيجية فاعلة وهادفة في هذا المجال وبالتالي نعود للشأن السياسي الذي هو الباعث الاول للإصلاح في شتى المجالات.

ألم يحن الوقت بعد ؟ لتغيير هذا النظام السياسي حتى يتسنى لنا المضي في الإصلاحات الحقيقية للدولة فهذا ما يجعلنا نتمكن من تغيير جذري في النظام الاقتصادي والاجتماعي للدولة لتكون الأمور مهيئة لخلق الثروة وتقسيمها بالعدل وتحرير الطاقات في شتى المجالات بارساء دولة مشجعة وعادلة .إن مسألة تغيير النظام السياسي يجب أن تكون مسبوقة بمصالحة مجتمعية حقيقية أين فشل النظام ما بعد الثورة في تحقيقها رغم بنائه لهيئات دستورية في هذا الشأن، لأنه وببساطة هذا الشعب الموحد يحتاج لوحدة سياسييه ومنظريه فهو متصالح مع نفسه وبين أفراده لكن هؤلاء مشتتين ويشتغلون بالالامه التي تجاوزها في حملاتهم الانتخابية . كذلك يجب أن تكون مسبوقة بإنهاء لمسألة : ثوار وأعداء ثورة، ثوار وازلام، رجالات نظام جديد ورجالات نظام سابق ، هي صراعات لن تفيدنا في شيء، وكلنا تصارعنا سابقا في رقعة واحدة واشتغلنا في دولة واحدة ودخلنا وزارات مشيدة منذ سنوات سبقتنا، وشعبنا واحد واولادنا في نفس المدارس ونفس هذه الأرض.

حان الوقت لنتأمل في مستقبلنا نحن قادرون على جعله أفضل إلينا جميعا . هذه الدولة ذات التاريخ المجيد ، مات من اجلي استقلالها رجال لم يطالبونا في رسالتهم بشيء سوى أن نحافظ على هذه الدولة.

بقلم محمد وسيم العيفة