الرئيسية أراء النضال الحقوقي في تونس بين اندفاع النخب وقصور الجماهير

النضال الحقوقي في تونس بين اندفاع النخب وقصور الجماهير

0
0

منذ صدور تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، تواترت في خطاب القوى الرافضة لمضمون هذا العمل الاجتهادي الحقوقي مقولات ممجوجة عديدة لعل من أبرزها تلك التي يرى فيها أنصار التيار المحافظ أنّ مثل هذه القضايا هي نخبوية بالأساس وليست شعبية وبالتالي حسب رأيهم هناك أولويات لابد من توجيه البوصلة صوبها عوض الزج بالبلاد في متاهات غير موضوعية لا جدوى منها وقد بلغ الامر درجة المناداة بطرح هذه المبادرة على الاستفتاء.

من الواضح أنّ أصحاب هذا الرأي هم في قطيعة تامة مع الموروث التاريخي لتونس منذ انبلاج فجر الحركة الاصلاحية التقدمية في القرن 19 والتي تعززت بالنضال من أجل دحر الاستعمار ثمّ وصولا إلى مرحلة بناء الدولة الوطنية على قاعدة التحديث الاجتماعي وحصول المرأة على مكاسب تعد ثورية وقتها قبل أن يكون الاستبداد السياسي البورقيبي والنوفمبري منطلقا لظهور قوى نخبوية رفعت مطلب الديمقراطية وحقوق الانسان.

على امتداد هذه الفترات التاريخية المتقلبة، كانت تونس سباقة في الفضاء العربي الاسلامي من خلال الغاء الرقّ ووضع عهد الامان وسن دستور 1861 وتعصير المناهج التعليمية وتشكل حركة نقابية شرسة في الدفاع عن الطبقة الشغيلة وبروز أحزاب وتشكيلات نخبوية طالبت بتكريس الديمقراطية كما ظهرت أوّل رابطة للدفاع عن حقوق الانسان.
فأيّ دور لعموم المواطنين في خضم سيرورة التحديث الاجتماعي والاصلاح السياسي والنضال الحقوقي؟ وهل كان هذا الحراك الضارب في القدم نتاج نضالات نخبوية أم حركات مطلبية شعبية؟ وهل تمّ حسم النسخة النهائية من دستور جانفي 2014 عبر الالتجاء لاستفتاء الشعب التونسي؟

صحيح أنّ منعطف ما بعد 2011 الذي سارت فيه تونس يختلف عن الحقب السابقة التي اتسمت بالتفرد بالرأي أحيانا وتوظيف أجهزة الدولة لتمرير بعض المشاريع الاصلاحية في مجال التحديث الاجتماعي على وجه الخصوص وهو ما يتطلب اليوم مراعاة التنوع والتعددية الموجودة في الحياة السياسية والمجتمع المدني ومبادئ الديمقراطية والحرية والحقّ في ممارسة المواطنة للجميع بقطع النظر عن الاختلاف في المشارب الفكرية والمرجعيات الحقوقية لكن الانف ذكره من غير المقبول أن يتحوّل إلى حجر عثرة إزاء استكمال هذا المسار وفقا للآليات الدستورية للجمهورية الثانية.

إنّ تاريخ تقدّم الشعوب ونهضتها هو رهين قدرة النخب على اجتراح المشاريع الاصلاحية والدفع بها نحو التجسيد على أرض الواقع عبر خلق كتلة ليست بالضرورة جماهيرية تكون حاضنة ومنافحة عن الأفكار التقدمية التي تعلي من قيمة انسانية الانسان وتدفع بعموم الجماهير نحو التحرر والانوار والمواطنة الكاملة خارج بوتقة السكيزوفرينيا الاجتماعية والحسابات السياسوية الانتهازية.

 

محمد اليوسفي

المزيد من المقالات ذات صلة
المزيد حسب Tunivisions.net
المزيد في أراء

اترك رد

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

المزيد من القراءة

رسالة مفتوحة لرئيس الحكومة:ارفعوا أيادي حاشيتكم عن الاعلام السيد رئيس الحكومة يوسف الشاهد…

بعد تحية مواطنية تليق بمقامكم ، أود في البداية أن أشكركم على الثقة التي حبوتموني بها ذات ي…