الرئيسية متفرقات عشر سنوات بعد الثورة التونسية نداء أخير قبل نهاية التجربة

عشر سنوات بعد الثورة التونسية نداء أخير قبل نهاية التجربة

0
0
في ديسمبر 2010 ، افتتحت تونس الربيع العربي وكأن أيام العرب كانت كلها شتاء ولكن اليوم نقف على دمار عصف بالربيع . اليوم ، هذا البلد النموذجي للديمقراطية فوق أرض إسلامية ، حائز على جائزة نوبل للسلام في سنة 2015 ، يمر بأزمة اقتصادية خطيرة وهو في حالة حرب متواصلة ضد الإرهاب. واليوم ، تنضاف حرب دستورية جديدة في أعلى هرم السلطة التنفيذية والتي انذرت بعراقيل عريضة في دستور الجمهورية الثانية. وعند الرغبة في معرفة الأمور في وطن ما ، فلا بد من الانطلاق من تلك المحادثات المقتضبة مع الناس لمعرفة أحوالهم . “لا يوجد المزيد من الحرفاء هنا. المزيد من السياح والمزيد من التونسيين أيضًا. يمشي الناس بجوارنا لكن لا يتوقفون. إنهم لا يشترون أي شيء. يبدو الأمر كما لو أنهم لا يرتدون ملابس بعد الآن! ومع ذلك ، نحن أحياء برحمة من الله” هكذا كان حديث سامي ، في الثلاثينات من عمره ، يبيع الملابس التقليدية في مدينة الجم الساحلية التي فيها القصر الروماني، عمله يكافح تماما مثل العديد من أسواق القصبة الشهيرة وغيرها من المحلات العتيقة ، عانى بشدة من الأزمة الاقتصادية. ويضيف في حديثه:” كان الوضع أفضل من قبل ، وكان أفضل في عهد بن علي. على الأقل كان هناك عمل ، كان هناك سائحون … ولم يكن هناك إرهابيون “، يضيف محمد بلا ضمير وبقسوة في الحديث. الحنين للديكتاتورية؟ ليس صحيحا ولكنه محبط ، بعد عشر سنوات ، من وعود “الربيع العربي”. و قال أن كلامه هذا منذ سنة 2014 وقد زادت الجائحة الأخيرة من تعكير الأوضاع أكثر فأكثر … لم تحتفل تونس بذكرى ثورتها بل كان 17 ديسمبر يوما عاديا ككل الأيام ، وكان هنالك ركود عام رافقه غليان في عدة مناطق، الخوف يجتاح نفوس السياسيين ولم يعد لدى أغلبهم القدرة على النزول للشارع ومخالطة الشعب أو الخطاب وسط الجموع . لم يعد الشعب يؤمن بالثورة ولا يثق بأي سياسي ولا يحبذ العمل الجمعياتي. فكل الذين مسكوا بزمام الأمور، فشلوا في اقتراح مشروع أو إقرار رؤية واضحة ودقيقة أو إرساء برنامج يساهم في نجاح التغيير الديمقراطي مع تحسين الواقع الاقتصادي والاجتماعي. إن تونس ما بعد الثورة كانت بحاجة لمحرك في شكل مثلث ، أقطابه الثلاثة هي : التغيير و الحوار و المصالحة ، فإذا فشل الجميع في إرساء التغيير ومات الإقتصاد في دهاليز السياسة وتم تهميش الجانب الاقتصادي والاجتماعي فإن الحوار شابته الانقطاعات والتصادمات وكان في غالب الأحيان اقتساما للسلطة وبحثا عن المناصب، أما المصالحة فقد ماتت بين الأحقاد والمعارك الاديولوجية والمسائل الدستورية والتشريعية. عندما اشتعلت النيران في جسد البوعزيزي فإنها أنذرت بثورة اجتماعية ، فهو ضحية مخطط تنموي فشل في إرساء تنمية عادلة وحياة افضل وتوزيع عادل للثروة بين الجهات ، ولا نتوقع أنه كان في حاجة لتعددية سياسية أو ديمقراطية في نظام الحكم ، لكن أغلب من حكموا اتخذوا من الديمقراطية واجهة لممارسة السلطة لا غير ولم يولوا الجانب الاقتصادي والاجتماعي أهميته عبر محاربة الفقر والبطالة والتفاوت بين الجهات. لقد كانت الحرية والديمقراطية مكسبا قيما للدولة التونسية ولكن الدمار الاقتصادي والاجتماعي المعيش أرهق الدولة وسبب الذيق في حياة أغلب أفراد الشعب. التجربة الديمقراطية التونسية لم تكن كاملة فالتغيير الديمقراطي كان من الضروري أن يقترن بمصالحة حقيقية وبطي صفحة الماضي بعد الامعان في قراءة ايجابياتها وسلبياتها. تونس اليوم، ركود اقتصادي وفقر متزايد وبطالة متصاعدة و إحساس يجتاح النفوس فيه خيبة الأمل والإحباط مع الخوف الدائم من المستقبل، أما الشباب فحلمه مغادرة البلاد في أقرب وقت ممكن. مازالت الدولة التونسية ذات تجربة ديمقراطية هشة ومازلت تبحث عن مصيرها الذي يتراوح بين عودة الحزب الواحد والرجل القوى أو اجتياح العنف المجتمع أو المضي في المسار الديمقراطي ويظل هذا الأخير رهين وعي السياسيين بخطورة الأوضاع وضرورة تدارك الأمور باستعمال القوة الهادئة بآليات دستورية ضمن حوار حقيقي . الحل ؟ حكومة مصغرة تلتزم بعدم الترشح لأول انتخابات بعد عملها ، تفويض تشريعي تام للحكومة ، هدنة اجتماعية (تجميد الاجور، تجميد الأسعار، وقف الإضرابات ) مدة 3 سنوات، هيكل مستقل مكون من جامعيين وخبراء و اداريين مكلف بتقييم السياسات الحكومية و يمكنه ايقاف عمل الحكومة بعرضها على الثقة في البرلمان ، التواجد العسكري الدائم في مراكز الإنتاج، ملفات الفساد لدى قضاة في القطب القضائي المالي والاقتصادي مع منحهم حماية الأمن الرئاسي . هذا الحل يظل رهين استجابة الاقدار إليه لأن السياسيين وصلوا لمرحلة اللاتراجع إلى الخلف لدرجة أنهم لم يدركوا بعد قسوة الواقع المعيش الذي أرهق أفراد الشعب ، ولازالوا يعتقدون في المشاكل الدستورية الأهمية المطلقة وكأنهم سيخلدون في السلطة لمئات السنين، لكن يبدو أن الغليان الشعبي آت لا محالة وقد ينهى التجربة بأكملها إن لم يتمكنوا من إيجاد حلول واختيار بعض صانعى فشل التجربة مغادرة الساحة قبل أن يتم ارغامهم على مغادرتها .
بقلم أحمد وسيم العيفة