رسالة أمل

0
0
الشعب لم يمت ، الأمل لم ينطفئ، تونس العريقة ليست عقيمة.. لقد تجمعت في رأسي وقلبي الأفكار منذ طفولتي وتبلورت بعد ذلك في معان واضحة ومحددة أو في معان أحاول أن أوضحها املا ان احقق شيئا من ذلك. كانت تربيتنا الوطنية منذ نعومة أظافرنا شديدة التعلق بالوطن من حيث لا نعلم، فكل يوم نبدأ نهارنا بتحية العلم حتى حفظناها عن ظهر قلب، ونواصل دراسة التاريخ المجيد لوطن ضحى من أجله الكثيرون وقدم له الرجال الكثير إلى متابعتنا للتحولات الدولية والوطنية . تابعنا تاريخ وطننا وجاءت الأفكار تتدافع في عقولنا لتجعلنا في قلب تحولات سياسية ماضية إلى تغير النظام في 2011 ضمن إطار ثوري جديد على الفترة السابقة، عهد جديد كان فيه العديد من النكسات ومن أشنعها أذكر اغتيال الشهيد شكري بلعيد وعندما قدم صديقي في المعهد وقال لنا لقد ” ضربوه بالرصاص” إلى لحظة بكاء الرئيس الباجي قايد السبسي -رحمه الله- في القصر الرئاسي وهو يشيع جثمان أبناء الأمن الرئاسي. هنا عرفنا قيمة الامن في الدولة وقيمة السيادة بعد الاستقلال وقيمة التضحية في سبيل البلاد و جمالية النضال من أجل الأفكار. هذه الدولة خاصة جدا بتاريخها وتجاربها الفريدة تاركة دوما وراءها دولا عربية بترساناتها العسكرية واراضيها المثقلة بالغاز والبترول . فمن تاريخها القرطاجي القديم إلى فترتها الرومانية مرورا بالوندالية فالبزنطية نحو فترة الفتوحات الاسلامية بدولتها الأغلبية فالفاطمية فالصنهاجية فالموحدية فالحفصية ، الحكم العثماني ، الدولة الحسينية ، الاستعمار الفرنسي ، الاستقلال وعصر إرساء الدولة الوطنية ، التغيير السياسي الجذري في النظام بارساء الديمقراطية. لقد ظلت الدولة التونسية وفية لتقاليدها العربية الإسلامية، منفتحة على الحياة العصرية ومستجيبة لمقتضيات هذا التطور، ضامنة للتعايش وموحدة. قائمة الذات وذات سيادة ، فتعلمنا طوال السنوات الماضية الوقوف مع جيراننا وعدم التدخل في أمور غيرنا ، تعلمنا الوقوف على حياد أمام القضايا التي في طياتها نزاعات دولية ما عدا قضية فلسطين المحتلة.
هكذا جاءت الأفكار من سنوات طفولتي البعيدة ثم تدافعت واحتشدت واتجهت بي نحو الكتابة والسياسة والشأن العام أو محاولتي أن أفعل ذلك. ومن الطبيعي أن أواجه وشباب تونس محاولات إقصاء وتشكيك بعنوان نقص الخبرة وبتعلة صغر السن.
لقد جعلت من مقالي هذا رسالة تبث الأمل لكل مواطن في تونس ، لشعبها الذي يستحق دولة فيها حياة أفضل ونظام أرقى واستقرار أشمل. إن جل الدول تمر بنكسات كبيرة وبفترات معقدة تتسم بغياب الثقة والوهن والعجز ، لكن ما من حال دائم فالتجديد يظل ضمن دائرة الممكن طالما ناضل الشعب من أجل تحسين أحواله واصطف وراء مشروع سياسي وطني يكون قاطرة للتغيير وتحقق الدولة القوية والعادلة . إن أهم مقوم للتغيير هو مشاركة التونسيين بكثافة في الاستحقاق الانتخابي واصطفافهم وراء مشروع سياسي وطني يلزمونه بإصلاح الأوضاع عبر ثقة عريضة يمنحونها إياه ، فلا يمكن لأحزاب تصل للسلطة ببضع مئات آلاف أن تحقق التغيير والإصلاح. لم تخلق الأوطان بمشاريعها ورفاهيتها ولكن الإنسان هو الذي غير وشيد وعمر، وهو الذي يخرج وطنه من الأزمات إلى الاستقرار. وهذا شرط أساسي إذا أراد التونسيون تغيير أحوال الدولة، ولأن الارتطام بجدار الوجع غالبا ما يولد الصحوة وينزع الأوهام، فإني أعتقد أنه حان الوقت لكي يفهم التونسيون أن التغيير بأيديهم.
وتلك الثقة العريضة ستزيد من جرأة القيادة كما ستزيد من خوف القائد من الانحراف، ةهكذا تحظى الإدارة التونسية بالثقة من قبل القيادة السياسية و تتم مراجعة عدة قيود تشريعية موجودة في أروقة الإدارات، مع العمل على سن تشريعات هدفها خلق الفرص والتخفيض من عراقيل الرخص وتحرير الشباب في مجالات عديدة خصوصا الباعثين للمشاريع الصغرى. قيادة حاملة الجرأة والرؤية ، تعمل في إطار فيه مصارحة للناس وشفافية لكل الخطوات المتخذة في الشأن المالي والاقتصادي…
الآن، مصالحة شاملة هي أيضا عماد البناء في وطنه قسمته الاختلافات والصراعات ، رغم أن مقسم في الأعلى وموحد في الأسفل، فسقف بيت التونسي يتسع لعائلة ينتمي أفرادها لمشارب سياسية مختلفة فلماذا لا تسع الدولة هذا أيضا . إن الخلافات الحالية مبالغ فيها جدا بالنظر للمشترك الذي يجمعنا جميعا فالعالم يعتبرنا أكثر البلدان تسامحا واستقرارا. فلقد قال عديد المفكرين في العالم : “c’est le pays le plus douce de l’Afrique”.
هنالك شرط آخر مهم وأساسي، وهو أن نؤمن أن تغيير حياتنا ينطلق من تغيير قيادتنا إلى تغيير ممارساتنا اليومية مرورا بتكثيف عملية الإصلاح المجتمعية ، وهنا أهمية المجتمع المدني الذي لا تغطيه وسائل الإعلام بالشكل اللازم ، هذا الأخير الذي يقوم بعمل مهم وقد غير الكثير من حياتنا ويجب أن يتضاعف دوره المجتمعي ويصبح قاطرة لتحسين الحالة المجتمعية التونسية . أما تغيير الفرد لحاله ينطلق من تغذية حلمه والعمل والإنتاج وإيمانه بقدرته ومساعدة غيره . لقد غير الناس أوطانهم انطلاقا من خلقهم وابتكارهم لأفكار ومنتوجات واقامتهم لمشاريع ، لذلك دعوتي لكل فرد أن يؤمن أنه في بعض الأحيان يمكنه أن يغير في وطنه ما لا يمكن لرئيس تغييره.
رسالتي فيها أمل وطموح ، لا تيأسوا من الوضع الراهن واحرصوا على التغيير مع كل فرصة واصطفوا في مشاريع وطنية وانتخبوا الأصلح واشتغلوا في المجتمع المدني.. وواصلوا الحلم ، فإن الإرادة تبنيها العزيمة.
بقلم أحمد وسيم العيفة