الرئيسية إعلام و مديا رسالة شاب لرئيس الجمهورية

رسالة شاب لرئيس الجمهورية

0
0
سيدي الرئيس، إن الشباب التونسي هو فئة سباقة في النجاحات والاستحقاقات ، مهتمة كثيرا بما يحدث في وطنها والدليل على ذلك أنهم فئة شهدت ما حصل في وطنها من سوء حوكمة وتسيير فقررت رفع التحدي بانتخاب شخصية من خارج الأحزاب، فئة نزلت بثقلها فساهمت بشكل كبير في بلوغكم سدة الحكم يا سيدي الرئيس.
الشباب التونسي يؤمن بالدولة والأهم بضرورة استقرارها والدفاع عنها ، في أيام الثورة رغم انفلات بعض الشباب كان معظمهم عناصر مهمة في لجان الدفاع عن الأحياء الشعبية ومداخل المدن ، كانوا أيضا واقفين مع رجالات الأمن والجيش في معارك القضاء عن الارهابيين .
أنا شاب من هؤلاء سيدي الرئيس، لم انخرط في حزب منذ نعومة اظفاري ، أكتب المقالات منذ سن السابعة عشر، فمن أول مقال في جريدة الأنوار التونسية بعنوان:”لابد من إصلاح المنظومة التربوية ” إلى آخر مقال في موقع تونيفيزيون :” نعيش مرحلة الانحطاط السياسي ” مرورا بمقالات عديدة في الاقتصاد والسياسة خاصة وأني طالب بمعهد الدراسات العليا التجارية بقرطاج ومن أحد المقالات السياسية التي كتبتها في سنة 2015 :” احزابنا لا تكوني خرابنا ” .
سيدي الرئيس، مقالاتي كانت دوما قاسية على الأحزاب السياسية فهي فعلا المسؤولة عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتدهور من خلال أنها أصبحت “ماكينات” اقتراح لشخصيات لا تحمل في معظمها الكفاءة والمقدرة والنزاهة ونظافة اليد، فتملك مؤسسات الدولة العجز والوهن وسوء الحوكمة ورداءة التسيير . لقد كان طموحنا إصلاح هذه الأحزاب من الداخل وإيجاد حل لمسألة التأطير والتكوين داخلها . لكنها لم تتقدم في إطار مسألة الإصلاح الداخلي أو في تحسين اقتراحاتها لمن توليهم المناصب القيادية في مؤسساتها الحزبية أو في الدولة.
سيدي الرئيس، منذ الثورة الصناعية إلى عولمة الديمقراطية، تغيرت الأنظمة السياسية وشاب الانحطاط السياسي عدة أنظمة لكن ظلت السياسة قائمة على الذين لديهم القدرة على التأثير وتحريك العدد الأكبر من الأفراد وتحريك الكتل البشرية للوصول إلى أهداف سياسية أو ايديولوجية ، يسمونها في العلوم السياسية بالمؤسسات المختصة في العنف . إن كلمة “عنف” هي مصطلح علمي في العلوم السياسية لاسيما وأنه يمثل القاعدة العامة في التاريخ الإنساني، بما يعني أن السلم هو اتفاق بين الأطراف المختصة في العنف بما يضمن السلم الاجتماعي ونبذ العنف وهي تدفع الأفراد والكتل البشرية إلى بنية تنظيمية ضامنة للسلم الاجتماعي . هنا ، يا سيدي الرئيس، نقر بأهمية الأحزاب والمنظمات كونها هياكل نابذة للعنف من خلال سيطرتها على الجماعات والأفراد، فمثلا لو لم يكن لدينا أحزاب فيها قيادات تمثيلية لهؤلاء لديها سلطة التأثير عليهم، لكان اعتصام الرحيل حمام دم في الدولة التونسية ، فكان من الممكن أن نرى الدماء في الشوارع والانفلاتات وتصارع الناس ذوي الأيديولوجية المختلفة في شوارع الوطن.
سيدي الرئيس، انا من الذين حملوا الأحزاب السياسية المسؤولية على كل ما حدث ويحدث في الدولة التونسية، وطالبت بتغيير النظام السياسي ولازلت مؤمن بضرورة ذلك ، لكنني مؤمن أن الأحزاب جزء لا يتجزء من الديمقراطية التونسية تماما مثل المنظمات التي لديها قدرة التأثير فلا سلم اجتماعي واستقرار اقتصادي بدونها. إن الأحزاب هي صمام أمان لاستقرار النظام في الدولة من خلال قدرة ممثليها على فرض تنظم منتميها. فمثلا ، لولا الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية لكانت جنازة الشهيد شكري بلعيد الشرارة الأولى لانتشار الفوضى والعنف والصراع في أرجاء هذا الوطن العزيز.
سيدي الرئيس،إذا كان هنالك تحدي حقيقي فهو إرساء نظام سياسي وانتخابي مغاير للحالي، لا يقطع مع الحالي ولكن يطوعه لتسهيل عملية الحكم والاصلاح. إن الأحزاب السياسية جزء لا يتجزء من المحافظة على الديمقراطية والسلم الاجتماعي وسط نظام سياسي وانتخابي مغاير لهذا يفرض على هاته الأخيرة عملية إصلاح مؤسساتها من الداخل ويضمن أكثر شفافية في عملية تمويلها .
كذلك مسألة تغيير النظام السياسي هي لديكم يا سيدي الرئيس، أنتم تمثلون مؤسسة الرئاسة ومن لا يحترم شخصكم لا يحترم لا الدولة ولا مؤسساتها وسينتهى شيئا فشيئا خصوصا وأن الدولة لا يمكنها استيعابه. أنتم منتخبون مباشرة من الشعب ولقد حملتكم إرادة الشعب إلى سدة الحكم ولكم في ذلك المقدرة لممارسة مهامكم وتغيير الواقع في محافظة تامة للسلم الاجتماعي ولضرورات التنظم داخل الحياة السياسية التونسية .
سيدي الرئيس، أنا من الشباب المؤمن بأن لنا رئيسا واحدا هو ضمانة لحفظ النظام والقانون والدستور وجديتكم في التعامل مع الدستور تزيد من ثقتنا في شخصكم ، كما نؤمن بأن لا حل إلا في قبول الاختلاف وإرساء التعايش واستيعاب عملية تغيير النظام السياسي للأحزاب والمنظمات كجزء لا يتجزء من عملية تثبيت السلم الاجتماعي.
سيدي الرئيس، تواجه الديمقراطية التونسية مشكل كبير لأن مكوناتها فشلت في الاتفاق على سردية وطنية تلم الشمل .وهذا يعود إلى أن هذه المكونات تفتقر لهوية وطنية قوية تفوق في قوتها المرجعية السياسية والايديولوجيا الفكرية لهم. هنالك مشكلة تجاوب هذه الديمقراطية مع متطلبات الشعب وحاجياته.
يجب أن نفهم أن تغيير حال دولة ينطلق من تغيير محركات اشتغالها وإلا لن يتغير شيء . وتغيير النظام السياسي كفيل بتحقيق نظام اقتصادي واجتماعي افضل خصوصا وأن العمل السياسي أصبح مؤخرا يعرقل عملية التسيير الاقتصادي. يمكننا الإيفاء بهذا في محافظة تامة للسلم الاجتماعي ولضرورات التنظم داخل الحياة السياسية خصوصا وأن عملية التغيير ستفرض على الأحزاب التكيف معها وإصلاح سياساتها ، لكنها أيضا لا يمكن لعملية التغيير أن تضمن ديمومتها إلا بديمومة دور الأحزاب النشيط في العملية.
سيدي الرئيس، اما الحالة الاقتصادية فهي تسير نحو أوضاع أكثر تأزما وهي نابعة من عدم فهم لمسألة الاقتصاد السياسي وممارسة سيئة للسياسات الاقتصادية الغير متكاملة والتي تقع تحت وطأة الزمن الضيق. وإذا دخلنا في باب الاقتصاد السياسي فإننا سنلاحظ أن مسألة التشريع وخلق إطار قانوني ملائم هي أول بند لتحقيق نظرة استراتيجية فاعلة وهادفة في هذا المجال وبالتالي نعود للشأن السياسي الذي هو الباعث الاول للإصلاح في شتى المجالات.
ألم يحن الوقت بعد ؟ لتغيير هذا النظام السياسي حتى يتسنى لنا المضي في الإصلاحات الحقيقية للدولة فهذا ما يجعلنا نتمكن من تغيير جذري في النظام الاقتصادي والاجتماعي للدولة لتكون الأمور مهيئة لخلق الثروة وتقسيمها بالعدل وتحرير الطاقات في شتى المجالات بارساء دولة مشجعة وعادلة .إن مسألة تغيير النظام السياسي يجب أن تكون مسبوقة بمصالحة مجتمعية حقيقية أين فشل النظام ما بعد الثورة في تحقيقها رغم بنائه لهيئات دستورية في هذا الشأن، لأنه وببساطة هذا الشعب الموحد يحتاج لوحدة سياسييه ومنظريه فهو متصالح مع نفسه وبين أفراده لكن هؤلاء مشتتين ويشتغلون بالالامه التي تجاوزها في حملاتهم الانتخابية ورغم ذلك هم ضمانة للسلم الاجتماعي بين الكتل البشرية مختلفة الايدلوجيا . كذلك يجب أن تكون مسبوقة بإنهاء لمسألة : ثوار وأعداء ثورة، ثوار وازلام، رجالات نظام جديد ورجالات نظام سابق ، هي صراعات لن تفيدنا في شيء، وكلنا تصارعنا سابقا في رقعة واحدة واشتغلنا في دولة واحدة ودخلنا وزارات مشيدة منذ سنوات سبقتنا، وشعبنا واحد واولادنا في نفس المدارس ونفس هذه الأرض.
حان الوقت لنتأمل في مستقبلنا نحن قادرون على جعله أفضل إلينا جميعا . هذه الدولة ذات التاريخ المجيد ، مات من اجل استقلالها رجال لم يطالبونا في رسالتهم بشيء سوى أن نحافظ على هذه الدولة.
بقلم أحمد وسيم العيفة