partage

رأي: في مقولة الهدم والبناء. بقلم منصور مهني

2017/09/28 10:58

إن في مقولة الهدم والبناء لحكمة وثيقة الصلة بنظرة الإنسان للحياة وفلسفته في الوجود ومعناه. أعترف أن التفكير في هذا الأمر يشغلني باستمرار ويحدد قسطا هاما من أخلاقياتي ومن معاملاتي. لعل ذلك وراثيا، فالوالد، رحمه الله، كان بنّاء من أفضل حرفي المهنة، بشهادة أهل البلدة الذين كانوا يلقبونه بالمعلم. تعلمت منه أن أبني ما استطعت وأين استطعت، غير مبال إن كنت أنا أو أقرب الناس إلي سينتفعون بذلك قبل غيرهم، إذ أنه بالمعنى العام للبناء تصح فيه مقولة هارون الرشيد: "أمطري حيث شئت، فإن خراجك لي"، شريطة أن يعتبر الخراج في معناه الاجتماعي لأجل الصالح العام والمشترك. أذكر في ذات السياق شهادة سمعتها من صديق هو أيضا ابن بناء، حيث قال: "علمني أبي أن أبني وأمر، وأنا على ذلك الدرب سائر". من وجهة النظر هذه، أريد أن أحادث هنا وأتساءل في مقولة شعبية تتداول في سياقات التبذير وإتلاف الرزق. قال القدماء في وطني (بالعامية التونسية): "قالو كثرت عليّ الفلوس؛ قالو ابني وهد". ربما يقابلها في الفصحى: "قال أحدهم: كثر مالي؛ فأجابه الآخر: ابن واهدم". من الواضح أن سياقات الاستعمال عادة ما تكون بمعنى السلب وبطابع التهكم أو اللوم غير المباشر، لذلك ربما غلب على تصرف البعض منا منطق الهدم دون الاكتراث بقيمة ما بني أو يبنى وبأهميّته، لا من حيث هو بناء مادي فحسب بل من حيث بعده المعنوي الذي يخترق كافة مجالات الفعل الإنساني. ونراهم إذن يقدحون في أي فكرة وفي أي إنجاز دون الاستدلال على ما يزعمون. لكن بالدليل والمنطق وبتبادل الرأي نصبح في مجال النقد البناء وهو محمود ولا يمكن لأحد أن ينكر فضله. أما التهجم المخل بقواعد الاحترام المتبادل والتعنت الرافض بطريقة آليا، فهما هدم بكل المعاني ويمتاز أصحابهما بالصياح والثرثرة واللجوء إلى العبارات الجارحة والخطب الخاوية التي تخالها شعرا وما هي بغير الحشو. ومن ميزات الناقد العاقل والبنّاء أن يبلغه خطاب الغير بأعماقه فيدرك موقع السؤال الذاتي فيه، ويدفعه إلى إعادة التفكير في الحقائق التي انطلق منها ليتثبت إن ليس فيها بعض ما يستحق المراجعة والتعديل. عندها يقدم الدليل بذلك أنه شريك للجميع في الرأي والتفكير والمراجعة والتطور وتنسيب الأمور. ويكون ذلك حجة عملية على انخراطه الصادق في الفعل الديمقراطي. لأن البناء الديمقراطي لا يتم في الغوغاء الفوضوية بل يسلك مساره بالمحادثة المفيدة التي تبني لأنها تسعى دوما لقسط وافر من الاتفاق حول خيارات مشتركة لمصلحة الجميع. في الواقع، كثيرا ما يشغلني التفكير في إمكانية استثمار مقولتنا الشعبية في اتجاه التأويل الإيجابي الذي أراه على النحو التالي: إذا توفر المال، يمكن لعملية الهدم والبناء أن تأخذ بعدا استثماريا هاما يحرّك الحلقة الاقتصادية بكل مكوناتها، عملا بالمقولة الفرنسية التي تفيد أنه إذا كان قطاع البناء في ازدهار فإن كل شيء في ازدهار. وبذلك لا يكون الهدم هدما بل مرحلة من مراحل البناء تقوم على تقويم صحيح وعلمي وموضوعي ولها أهداف واضحة وغايات نبيلة. ليتنا إذن نصاب بالإدمان على البناء في كل شيء، فننفع وننتفع ونسهم بما هو أفضل في المصير المشترك، ويكون ذلك في أي مجال يتوفر وتحت أي نظام يحكم، ممّا لا يمنعنا من حقنا في النقد والمعارضة والاحتجاج بالطريقة التي تقيم الدليل دائما على غلبة نزعة البناء فينا. لعمري إن إدراك الأمور بهذه الفلسفة يجعل من أبسط أدوار المواطنة خُلقا فاضلا ومسؤولية عظمى بقيمة تلك الحجرة المركزية التي بدونها لا يستقيم بناء ولا يصح. فالوعي بالمواطنة هو الدرس الأول في مسار البناء على درب الديمقراطية والتنمية والتطور. منصور مهني (اسمحوا لي باختيار صورة لأبي الذي علمني البناء دون أن يمر بأي مدرسة والذي ألهمتني ذكراه هذا النص...)