partage

رأي: في جبهات الخلاف داخل الجبهة

2017/09/26 23:33

في بعض التقاطع مع الجدل الذي أثاره استعمال رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي لآية "إذا أتاكم..." مجيبا عن سؤال حول حمه الهمامي، خاصة من حيث استعمال كلمة "فاسق"، ومع الإطناب في تحليل وتأويل الكلمة في سياق وفي غيره، استهواني الرجوع إلى الخلاف الذي نشب بين بسمة الخلفاوي وحمة الهمامة بعد اغتيال الشهيد شكري بلعيد والذي تبرز علاماته مع إحياء كل ذكرى لذاك الاغتيال فاستحضرت سؤالا راودني في منتصف الطريق بين تاريخي الذكرى لسنتي 2017 و 2018؛ وفحوى السؤال: هل ستطلق بسمة النار الكلامية مجددا على حمة الهمامي؟ في الحقيقة، يمكن القول بأن التشنج بين بسمة وحمه انطلق مع موكب التأبين في مقبرة الجلاز لمّا قال هذا الأخير خطبته الشهيرة التي رثا بها الفقيد والتي وصفها الزميل حسونه مصباحي بأنها "كلمة غلب عليها التكلف والتصنّع، وخلت من الحرارة ومن النبرة النضالية". وما رسخ في الأذهان من تأبين الرفيق للصديق سوى الجملة التي قال حمه أنه أخذها عن خالد بن الوليد: "نم يا حبيبي نم..." والتي رددتها بسمة الخلفاوي بشارع الحبيب بورقيبة في الذكرى الثانية للاغتيال فنادت الفقيد بصوت حار: "قم يا شكري ولا تنم وانظر ما فعل الرفاق بتونس". ولتأكيد رسالتها أضافت: "قم يا حبيبي قم يا رفيقي قم يا أبا بناتي.. قم ولا تنم.. قم ولا تسمع من قال لك نم.. فنومك لم ولن يعطينا البديل.. لا تنم يا رفيقي أبدا.. ومن قال لك نم لا يحب تونس ولا يحبك." فقضت بذلك كليا على الجملة التي "اقتناها" حمه للمناسبة وجعلت منها طرفة يتندر بها من قبيل السخرية أو المزاح. الكل يعلم أن زعيم حزب العمال الشيوعي والناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية أخذ الأمر بهدوء مصطنع في البداية، ثم انطلق لسانه باتهامات صريحة وجارحة لبسمة الخلفاوي مست الحياة الخاصة وخدشت في سمعة العائلة، فكان أن انقطع كليا حبل التقارب الصادق بين الطرفين وكان لبسمة أن "تطلق النار" على حمه في كل ذكرى وتقريبا في أغلب المناسبات، إن صراحة أو تلميحا، وكأنها تثبت بذلك مقولة إن "لا يفلت بسهولة من غضب امرأة حرة من تجرأ عليها في كرامتها". في الحقيقة، لخصت بسمة الخلفاوي بلعيد، رئيسة هيئة الدفاع في قضية اغتيال بلعيد، مؤاخذتها لحمه الهمامي، في فيفري 2015، قائلة: "لقد صمتنا سنتين كاملتين لعلّ الرجل الذي صنعه اغتيال الزعيم الرمز شكري بلعيد يثوب إلى رشده فيعي كيف يكرمه بالإحاطة بعائلته ولكنّه تمادى في المتاجرة بدم شكري في نفس الوقت الذي ضرب فيه عزلة قاتلة على عائلته." نعلم أيضا كيف اتسعت بعد ذلك دائرة التشنج والعداء فانخرط فيها بعض قيادي الجبهة الشعبية، خاصة الناصر العويني، رغم أن حزب الوطنيّين الديمقراطيّين الموحّد حاول تهدئة الأجواء أمام الرأي العام بإصدار بيان أوضح فيه بعض النقاط ذات الصلة "بالمناوشات" المذكورة. وذهب البعض إلى أن الخلاف لم يعد شخصيا وأصبح سياسيا. في الواقع، انحصرت هذه المناوشات، وهو أقل ما يقال فيها، في ذكرى اغتيال شكري لسنتي 2015 و 2016، أما في 2017 فقد اتحدت تونس حول الذكرى باعتبار الفقيد شهيد الوطن كله وقاد رئيس الجمهورية رأسا هذه الاحتفالات رغم بعض عمليات التنغيص عليها والتي لم تجد رواجا كبيرا. لكن تتالت التحاليل التي تندد بمحاولة استثمار المناسبة سياسيا. لكن الأهم في تلك المناسبة أنها لم تشهد التشنجات السابقة داخل الجبهة الشعبية ولعل لرئيس الجمهورية بعض الفضل في ذلك. نذكر هذا الجانب لنحاول أن نفهم لماذا أرادت الجبهة تأجيج النار العدائية بينها وبين رئاسة الجمهورية وإن لم يتعد الأمر حدود الاحترام المؤسساتي؟ ألم تكن الجبهة من أول الحساسيات السياسية التي أراد الباجي تقريبها والتحالف معها؟ هل في الأمر بعض العداوة الشخصية التي طفت على السطح السياسي والتي كرسها تقريبا "إضراب الجوع" الذي انتجعت فيه راضية، حماية لحمه من الباجي؟ أما السؤال الأعمق ربما يكون متعلقا ببعض الاختلافات الداخلية في الجبهة، والحديث عنها دار منذ مدة، كما دار حول كل الأحزاب تقريبا. فهل اختارت الجبهة طمس خلافاتها بتركيز طاقة التشنج ضد من تعتبره أبرز خصم سياسي لها؟ ليبقى السؤال مطروحا بعض الوقت، فللحديث بقية... أحمد قاسم