partage

رأي: نخوة النخبة ونزعة الإخلال والخواء

2017/09/24 12:26

كثيرا ما نتحدث عن النخبة بمعنى خيرة القوم وأرجحهم عقلا وأكثرهم قدرة على إنارة المجتمع وخدمته أو على الأقل على أن يشكلوا مثلا يحتذى في التعامل النزيه والتصرف السليم والاحترام المتبادل. لكن ألا يجدر، بين الفينة والأخرى، التوقف عند هذا الأمر للتقويم والاستشراف بطرح سؤال النخبة من حيث المفهوم وامتداده في الحياة اليومية وفي سياسة المجتمع؟ وضعنا في خانة النخبة المثقفين دون تحديد لصفات المثقف فأصبح كل من كتب نصا، أو أنشد زجلا أو كل من ظهر في مشهد مسرحي أو سينمائي يدعي أحقيته في صفة المثقف ومنها دخول زمرة النخبة. وكذلك وضعنا في صف النخبة أصحاب الشهادات الجامعية فرأينا من بعضهم العجب العجاب من تقمص جلباب الحكمة فرصف جملا حول حسن الأخلاق بين الناس ولكن أفعاله تكاد تناقض كليا ما يتبجح به. ووجدنا أنفسنا اليوم أمام مشهد مزر لا ينم عن حد أدنى من الوعي الضروري للنمو الطبيعي لمجتمعنا، خاصة أن نخبنا تلك تحكم وتتحكم في الأطفال والناشئة عبر العملية التعليمية وبعدها عبر الوسائل الاتصالية. فصرنا نرى الجامعيين يتقاذفون الشتائم ويتبادلونها على عين الملإ وحتى في وسائل الإعلام وصرنا نتفرج في كثير من الفنانين و"المثقفين" يتمسكنون ويشحذون ويستعطفون دعم الغير قبل أن يفكروا في عطائهم لإبداعهم؛ وبالمنطق ذاته ينتهي الحديث بالحكم على الآخر قبل الحكم على الذات ويصبح منطق العمل تواكلا قبل أن يكون جهدا مستديما وسبيلا لإثبات الوجود. ولما بدأ ذاك المنطق يعم شيئا فشيئا، تطور التلاسن والتشنج إلى حد السعي إلى إرساء قطيعة بين الجامعيين والمثقفين، وكأن المثقف لا يكون جامعيا والجامعي لا يمكن أن يعتبر مثقفا؟ ولعل التنظير تطور في ذات السياق ليجعل التكوين الأكاديمي عائقا أمام الإبداع والإنتاج الثقافي، فيفضي في المقابل بتصرف معاكس يحكم، خطأ، على المثقف الغير الجامعي ببعض الاستنقاص من قيمة عمله. وسرعان ما يتطور الخلاف إلى مجال التسيير في قطاع الثقافة، وتعلوا بعض الأصوات منددة بتعيين بعض الجامعيين على رأس المؤسسات الثقافية بدعوى أن هذه من مسؤولية أهلها، أي المثقفين، ولا الجامعيين؛ كما تتحدث أصوات أخرى على عدم أحقية بعض المعينين بالمسؤوليات التي عهدت لهم بدعوى عدم امتلاكهم لما يكفي من التأهيل الأكاديمي. وانطلاقا من هذه الاعتبارات التي لا تستند، في كثير من الأوقات، لاعتبارات موضوعية، يصبح المشهد العام لسياسة البلاد وتسيير دواليب المجتمع مشحونة بتصرفات اعتباطية وبحملات إعلامية وبنقد ذاتي موجه، تشوش كلها على عملية الإصلاح والبناء. فكم مسؤولا اشتعل غيضا حالما تم الاستغناء عنه وكأنه فريد زمانه وكأن الوطن يفتقر لمن في درجة كفاءته، إن ثبتت، أو أكثر منها؟ فيبدأ بالتزلف لمن يأمل فيهم التأثير في القرار قبل اتخاذه، وإن كانوا من أعداء الأمس، ثم ينطلق بعد ذلك في الشتم والثلب والهجاء في كل من هب ودب ممن يتوهم أنهم على علاقة بقرار تنحيته؛ كأن لا حق لمسؤول في اختيار الفريق الذي سيسهر معه على تطبيق برنامجه بناء على الشروط الموضوعية المعمول بها؟ هنا وجب طرح سؤال آخر: ألا يمكن أن يكون مثل ذلك التعنت والتشبث بالمسؤولية مؤشرا على إخلال يريد له المسؤول السابق ألا يبرز وألا ينكشف؟ صحيحا أن انتقال المسؤولية يكون عادة مصحوبا بتقرير تسلم كثيرا ما يكون شكليا؛ لكن مثل ما ذكرنا من تصرف البعض يوحي بأن ذاك الانتقال يفضل أن يتلوه تفقد مفصل لتسييره السابق حتى ينطلق التسيير الجديد على أسس صحيحة وشفافة وحتى يتحمل كل مسؤوليته كاملة في النجاح والإخفاق، في الحوكمة الرشيدة وفي الإخلال. أما ما يقال وينشد خارج هذه الآليات القانونية للمراقبة، فهو صياح في الخلاء لا يدل إلا عن خواء في فكر صاحبه وربما في بعض من القيم التي يتعامل بها مع غيره. منصور مهني