partage

عاد العيد بما عاد... عاد بنا كما نحن... بين النهضة والنداء. بقلم منصور مهني

2017/09/03 00:11

كلما هل عيد وقرب، يذكر بعضنا السؤال-البيت الذي أطلقه المتنبي في سياق معروف، لكنه انسحب بعد ذلك على السياق العام بتخليه، استعمالا، عن أسبابه الذاتية وأهدافه المحكومة بالهجاء:

"عيد بأية حال عدت يا عيد ... بما مضى أم لأمر فيك تجديد"

هذا البيت الشعري يطرح، في أبعد دلالاته، قضية الثابت والمتحول، قضية الجمود والتحرك وفي باب ما قضية السلف والحداثة؛ وهذه قضايا تهم الإنسان سواء من وجهة النظر الذاتية أو من الوجهة الجماعية.

كلنا في حاجة إذن لوقفة تأمل نحلل فيها أفعالنا وعلاقاتنا ونقيم فيها ذاتنا لإعادة رسم أهدافنا، وهو أمر يحق للشاب اليانع كما للشيخ الراكب عجلة الزمن في انتظار المحطة الأخيرة. هو في الحقيقة سلوك يستحسن أن يواكب الحياة اليومية وأن يقع استبطانه خاصة كأخلاقيات ومبادئ ترسم علامات المسيرة المعيشية.

لنترك جانبا ما هو شخصي حتى يكون للفرد وحده، في لحظات الوعي الصادق والمساءلة الجادة، مسؤولية الرحلة في أعماق الذات وفي أصقاع الرؤى. ولنبقى إذن في الشأن الجماعي لما يتطلبه منا اليوم من التزام ومن تضحيات، وهو في مفترق طرق يكاد لا ينتهي إلى طريق سوي تتضح فيه الرؤيا ويحلو معه المشهد.

جاء العيد هذه السنة فأتانا بجدل قديم متجدد حول قضايا الميراث والأوقاف، وهو جدل، على اختلاف المواقف تجاهه، يذكرنا بالبون الشاسع بين مرجعيتي ثنائي حزبي الأغلبية: النداء ومن حام حوله، والنهضة ومن لف لفها.

انطلق الأمر بمقترح من رئيس الجمهورية يطرح إمكانية الاجتهاد نحو التطور في قضية الميراث وقضية زواج المسلمة من غير المسلم بما يتلاءم مع مبدأ المساواة بين الجنسين. مباشرة بعده، طلع علينا الشيخ الثاني، رئيس حزب النهضة الذي لا يتفاعل إلا مع رئيس الجمهورية، في محاولة تكريس لمقولة الشيخين الحاكمين، واقترح هو الآخر الرجوع إلى العمل بالأوقاف التي تخلت عنها دولة الاستقلال مبكرا ضمانا للتنظيم المدني للدولة وتفاديا للمتاهات التي تنجر عن الأوقاف من حيث اختلال نظام الملكية من جهة ومن حيث تداخل الأمور في تسيير دواليب السلطة بين الدين والسياسة، تحت غطاء العمل الاجتماعي.

بغض النظر عن محتوى "المبادرتين" وعن وجاهة إحداهما دون الأخرى، الخطير في الأمر هو سيف ديموقليس المسلط فوق رأس المجتمع التونسي والذي يهدد بالنزول عليه كلما احتد الصراع السياسي بين الحزبين المهيمنين، أيا كان التلاطف الظاهر بينهما مراعاة لمصالح كل منهما. يبدو إذن أن في الأمر خصومة تاريخية لا يزال فتيلها مشتعلا ينذر بإضرام نار الفتنة إذا احتد الخلاف وأن أصل القضية سياسيا وإن اتخذ مظاهر وأشكالا مختلفة في علاقة بالهوية.

من الضروري إذن حسم قضية الهوية (التي خلنا أنها حسمت مع دولة الاستقلال المبنية على الفكر الإصلاحي الوطني كما خيل إلينا أن دستور 2014 أنهى الجدل حولها) بإقرار تاريخيتها وخصوصيتها التونسية والتفرغ، سياسيا، للتنمية والبناء والتطور ضمن منظومة ديمقراطية مدنية لكل مواطن فيها حظ يأتيه من حقه فيه لا من صدقة يمن بها عليه زيد أو عمر.

هو ذا التحدي الذي وجب علينا رفعه اليوم إن أردنا ركوب قطار التاريخ لمعانقة صعود الجبال وشوق الحياة فلا نتبخر في جوها ولا نندثر. لذلك دعانا شاعرنا أبو القاسم وإلى دعوته علينا واجب الاستجابة بمناسبة هذا العيد الذي يعود وما له بما يعود سوى بما هو فينا. ولنذكر ونتذكر ونتدبر، بالمناسبة، مقولة مصطفى صادق الرافعي: "ليس العيد إلا إشعار هذه الأمة بأن فيها قوةَ تغيير الأيام، لا إشعارها بأنّ الأيام تتغير".

منصور مهني