partage

مؤتمر عالمي في الحمامات: الإبراخيليا الحديثة في مفترق العلوم والثقافة

2017/04/08 17:38

بتنظيم من المعهد العالي للعلوم الإنسانية (جامعة تونس المنار) والتنسيقية الدولية للبحوث والدراسات الابراخيلية ووحدة البحث في الدراسات الابراخيلية و جمعية ابراخيليا تونس ينعقد المؤتمرالعالمي الثاني للابراخيليا بعنوان :الابراخيليا الجديدة في مفترق العلوم والثقافة وذلك بمدينة الحمامات (نزل مرادي حمامات) من   12 إلى  15 افريل2017.

تجدر الإشارة هنا إلى أن مجال البحث الجديد جاء بمبادرة أكاديمية من الأستاذ منصور مهني (جامعة تونس المنار)، سنة 2012، وانبنى حول مفهوم الإبراخيلية (الحديثة) الذي يجد جذوره في فكر الفيلسوف اليوناني سقراط/ الملقب بأب الفلاسفة.

نتعرف على المفهوم بالرجوع، على سبيل الذكر، إلى القسم الأول من مقال نشره صاحبه في العدد الثاني من مجلة "محادثات" :

إن العبارة اليونانية ومشتقاتها في اللغات الأخرى تحيل على فكرة لم تنل ما يكفي من الاهتمام للتعمق في بعدها الفلسفي وتبعاته فأعيد لها الاعتبار هنا باستنباط مفهوم حداثي يخترق الاختصاصات المتنوعة ويؤلف بينها في نظرة متكاملة تعتمد عملية التواصل مسلكا، قصد محاولة تبين أسرار الأفراد والمجموعات في تفاعلهم مع الكون والوجود والحياة والبحث عن الحقيقة.

يؤكد سقراط على قصر الأجوبة في عملية المحادثة والمهم هو إدراك أن ذلك يتنزل في نظرة ذات بعدين: أولهما تقني يتمثل في تسهيل عملية التواصل وإكسابها النجاعة التفاعلية المرجوة بتفادي العلاقة العمودية التي يهيمن بها طرف ما على الحديث قصد فرض سيطرته على الآخرين. أما البعد الثاني فهو أخلاقي ويتمثل في احترام الآخر المتحادث معه بالتواصل معه أفقيا والتفاعل معه على خلفية أنه من موقعه يمكن أن يغير حقيقة الطرف المقابل بصفته طرفا فاعلا في التحادث.

إن هذا التصور العام الذي يعبر عنه سقراط بمفهوم "التحادث" هو المحدد للفكر الإبراخيلي من حيث هو رؤية للوجود والحياة والعلاقات الاجتماعية، وهو بذلك في علاقة وطيدة بمفهوم الديمقراطية.

فلا تكمن الديمقراطية عند سقراط في سلطة الرأي الغالب بل في التفاعل مع كافة الآراء بما يجعل كل رأي قابل للمراجعة ويفرض على كل فرد أن يتحلى بالفكر التحادثي أو الروح التحادثية الذي لا يمكن أن يكون سوى فكر إبراخيلي بالتناقض مع الفكر البلاغي الذي يوظف الخطاب لفرض أيديولوجيا المتكلم قصد تحقيق أهداف أغلبها سياسية.

فتقصير الكلام إيتيقا وحكمة تنم عن روح تحادثية هي أساس الديمقراطية الحقيقية. وهنا يتبين لنا قيمة هذه الفلسفة على مثاليتها ونفهم من ذلك أسباب موت سقراط محكوما عليه بتناول السم، إذ إن فكر سقراط، في باطنه، يخلخل أواصر الديمقراطية اليونانية الناشئة ويشكك في دعائمها، وإن كان الفيلسوف يقر باحترام القانون والمؤسسات لأنه لا يحملها مسؤولية التغيير. فالتغيير عنده يأتي من الذات التي تغير ما بنفسها نتيجة ما يتراءى لها من نقص فيها أو إخلال، في المرآة التي يضعها الآخر أمامها لتتساءل وتراجع وتتراجع إن اقتضى الحال.

وما ينتهي إليه سقراط هو أن أول شروط المحادثة هو التخلص من السلطة البلاغية التي يحيد بها الخطاب عن هدف التساؤل قصد بلوغ الحقيقة ليؤول إلى غاية التملق أو الاستخفاف بعقول السامعين والمتقبلين للخطاب بهدف السيطرة عليهم.

ولما نعمّق التفكير أكثر في أبعاد هذه الفلسفة الإبراخيلية، فإن منطق التحادث والتفاعل يحكم أيضا علاقتنا بالأشياء والكائنات الأخرى بما يصلنا منها من رسائل، أحيانا صامتة وأحيانا أخرى بإشارات خفيفة، تدفعنا لسؤال الذات ومراجعة النفس وتنسيب الحقيقة. فندرك إذا أن الصغير فينا أو حولنا قد يكون أكثر فاعلية وإنارة للسبيل وتعميقا للسؤال من كل ما يتسم لدينا بالكبر والعظمة في عالمنا هذا.

نحن نتعلم من النمل ومن الحشرات الأقل منها حجما، ونتعلم من الاكتشافات الميكروبيولوجية والنانوتكنولوجية بحيرتنا أمامها، بعد ما تعلمنا من الذرة وأخواتها. ونتعلم من نمط العيش لدى أقل الأقليات ما قد يدفع للتفكير في تعديل ما بلغته الحضارات العظمى، أي المهيمنة، من تصرفات ترى فيها أو تدعي بها كل الخير للبشرية في حين نرى كل يوم آثارها القاتلة لكل شيء وقبل كل شيء لإنسانية الإنسان.

ولعلنا أمام ذلك لا نمتلك سوى التعبير بما قل ودل فيكون خطابنا المختزل صورة لرويتنا التي ترى في كل صغير قيمة وفي كل قليل عمقا يدفعنا للسؤال الذي قد يوصلنا لحقيقة إنسانيتنا. عندها، يقول سقراط، يمكننا أن نتحادث في السياسة وأن نتعاطاها.

لذلك جعل لمفهوم الإبراخيليا قسمين متكاملين: قسم "الإنشائية الإبراخيلية"، وفيه يقع التركيز على أشكال الخطاب الإبراخيلي وأجناسه وأبعاده ومختلف تعبيراته، وهو ما يمكن التعبير عنه بكلمة "الاختزالية"، إن شئنا؛ وقسم "الإبراخيليا العامة"، وهو الذي يعنى بمختلف مجالات البحث الأخرى، العلمية والتقنية والبيئية والاجتماعية وغيرها، مع ضرورة التفاعل التحادثي بين القسمين ومختلف تفريعاتهما بما يحقق تناغم الرؤية وترابط الأفكار ووضوح المسالك والأهداف. فيتمثل القسم الأول منهجا للتعاطي والتفاعل مع الخطاب، في حين يتشكل القسم الثاني مسارا علميا ينتظر التحليل والتعمق في سبله.

ينتظم إذن المؤتمر العالمي الثاني للإبراخيليا حول هذا الكم من التساؤلات وغيرها، بعد أن انعقد المؤتمر المؤتمر الأول في المغرب الأقصى بين قنيطرة والرباط. محاور متعددة ومتنوعة في البرنامج الذي يؤثثه جامعيون وباحثون ونقاد ومبدعون من تونس والجزائر والمغرب وساحل العاج وإسبانيا وفرنسا وبلجيكا وإيطاليا ولبنان.

ولما كان المؤتمر بإشراف مشترك بين وزارتي التعليم العالي والبحث ووزارة الشؤون الثقافية، فإن برنامجا ثقافيا وسياحيا ثريا يؤثث فقرات النشاط الموازي المضاف إلى جلسة عامة انتخابية للتنسيقية الدولية للبحوث والدراسات الإبراخيلية وتربص أكاديمي لطلبة الدكتورا. نذكر من ذات البرنامج: لقاء الإبداعات الإبراخيلية في الأدب والفنون مع تكريم روح الفنان نجيب بلخوجة في الذكرى العاشرة لوفاته بتقديم للفنان الجامعي سامي بن عامر وكذلك رحلة ثقافية في مدن الوطن القبلي ومواقعه الأثرية.

يفتتح المؤتمر الأستاذ فتحي السلاوتي رئيس جامعة تونس المنار ويختتمه الأستاذ محمد زين العابدين، بصفتيه الوزارية والجامعية، فيقدم محاضرة عنوانها "إبراخيليا الفنون: الموسيقى نموذجا".

م.س.ب.

ملاحظة: تونفزيون طرف مساهم في تنظيم المؤتمر العالمي الثاني للإبراخيليا.