partage

حديث المقهى 16. بقلم نبيل رضوان

2017/03/19 09:17

مِنَ المُفرداتِ التي فَقدَتْ معناها لدى العامَّةِ وقد باتتْ تَعني في بعضِ الأحيانِ عكسَ دلالتِها القاموسيّةِ عبارةُ "إن شاء الله"، شأنُها شأنُ "بإذن الله" وكُلِّ الكلماتِ التي تُعلِّقُ أعمالَ المَخلوقِ على مشيئةِ الخالِقِ.
تكادُ تكونُ الكلمةُ إسمًا مِن أسماءِ اﻷضدادِ كالتي يُسَمّيها رولان بارت Roland Barthes:
énantiosème
إن طلَبْتَ مِن أحَدِهم شيئًا فقال لك "إن شاء الله" فاعلَمْ أنّه يقصِدُ بالعامّيّةِ: "تعيا وأنت تقبض" وبالفرنسية:
compte dessus et bois de l'eau.

ولهذهِ الكلمةِ في الخليجِ مُرادِفٌ بليغٌ يُذكِّرُني بأجملِ ما في لُغَةِ الضّادِ: "أبْشِرْ".

لكنَّ العبارةَ هي الأُخرى أُفرِغَتْ مِن معناها مِثلَ أخَواتِها. ومِنَ الدّلائِلِ على ما أقولُ أنّي سألتُ مرّةً أحَدَ الطّلبةِ هناك عَنْ مُقابِلٍ بالفرنسيّةِ لعبارة "إن شاء الله" فقال:

"Peut-être"

وسببُ مدخَلِنا "الفيلولوجي" لحديثِ مقهانا اليومَ هو أنّي سمِعتُ العبارةَ في مكانِها وغيرِ مكانِها هذا الصّباح. فحتّى النّادِلُ الذي سألتُهُ عن ارتفاعِ سِعرِ القهوةِ بين عَشيّةٍ وضُحاها قال:

"إن شاء الله"!

قال جيلبار:

"هذه الكلمةُ تُذكِّرُني بعبارةِ:

domani

الإيطاليّة."
ِ
والتي يُقصَدُ بها "غُدوة " أو "بِكري" وهي تعني -تهكُّمًا- : "أبدا".

قلتُ له:

"ومع ذلك فالعبارةُ العربيّةُ لا تخلو مِنَ الجِدّيّةِ وهي قطعًا مشحونةٌ بِكُلِّ المعاني الأخلاقيّةِ النّبيلة.

لقد غضِبَ سائقُ التّاكسي ذاتَ يومٍ لأنّي طلبتُ مِنه أن يُقلَّني مِن صلامبو إلى العاصِمةِ مِن دونِ أن أبدأَ بقول "إن شاء الله" وعاتَبَني وأشبَعَني دُروسًا في الفِقهِ والوَرَعِ والإسلاميّات.
طلبتُ منهُ أن يفتحَ البابَ قبلَ أن تتحرّك السّيّارةُ.

ضحِكَ وقال:

"لا تغضَبْ يا رجل، إنّي أُمازِحُك"

قلت:

"أمّا أنا فلا أريدُ مُزاحًا معك أنتَ بالذّات. لقد غيّرتُ رأيي. أنزِلْني فَتَحَ الله عليك!"

قال:

"إن كان كذلك فادفَعْ لي 450 ملّيما."

قلتُ:

" إن شاء الله!"

وأعطيتُهُ 500 فاحتفظَ بالفارِق وانطلق".

وهكذا كُتِبتْ لأخينا حَسَنةٌ مِن حَسَناتِ النُّبلِ، وقَدْ تعني نوبل...إن شاء الله.