partage

حديث المقهى 15. بقلم نبيل رضوان

2017/03/12 11:22

جلستُ اليومَ في قهوةِ النخيل بالكرم وهي الوحيدَةُ التي يحلو فيها الجلوسُ متى كان الجوّّ باردًا. قهوتُها الأمريكية ليستْ أجوَدَ ما يُحْتَسى لكنّ سعةَ فضائها الدّاخِليِّ مُلائمةٌ لمَنْ مِثلي لا يَطيقُ دُخانَ المُدخِّنين.
جلستُ وجلسَ ثمّ جِيءَ بالقهوةِ. قال صاحِبي مُحتفِيًا ومُهلِّلا:

" أعجبَني ما قُلتَه بالأمسِ عَنِ الجامعيّين المُتوَرِّمين. يَمْنَعْ دِينِكْ خويا نبيل!"

صَمَتَ بُرهةً وأضاف:

"أتَرى ساسَتَنا غيرَ ذلك؟ أليسوا الجاثِمينَ على صُدورِنا أبدًا؟ ألا يَنتَهُون؟ ألا يتقاعَدُون؟ ألا يتَزَحزَحون؟"

ثارتْ ثائِرتي مِن شَرّ ما أصابني مِن قصيرِ عبارَتِه، وطويلِ إشارَتِه، إذْ تحرّكَتْ سواكِني بينَ رشْفتيْن، واخترتُ من المواقِفِ أفضَلَ الأسْوَأيْن. قلتُ وما أحسَبُني أخْطَأت، وأجبتُ لكنّني أبْطَأت:

"رجُلُ السّياسةِ يا صديقي مقدودٌ قدَرُهُ عِندَنا على قِياسِ شخصيَّةِ الجَبَلاوي في روايةِ نجيب محفوظ "أولاد حارِتْنا". تَمُرُّ الأجيالُ ولا يَنتهي، يموتُ الأبناءُ وأحفادُ الأحفادِ ولا يموت. مُخطِئٌ من صدَّقَ نظريَّةَ التّوريثِ لأنّ المُتعالِمَ عِندَنا -شأنُهُ شأنُ "المُترائِسِ" السّياسيِّ - لا يقبَلُ توريثَ غيرِ مَن كانَ مِن أقارِبِهِ أو عَبَدَتِهِ أو مُريدِيه. لكنّه يسُدّ الطّريقَ أمامَ الآتينَ بعدَهُ حتّى لَكَأَنَّهُ يقول:

"أنا أبوكُم الأوّلُ والأخيرُ لكنّ أبنائي لا يَكبَرون"!

ومِنَ المُؤسِفِ أنّ هذهِ العقليّةَ تجِدُ من يُغَذّيهَا مِنَ المُطَأطِئينَ رؤوسَهُم، المُصَفِّقينَ المُطَبِّلينَ لآلِهَتِهِم مِنَ البَشر. يتحدّثونَ عن "القامات" (كَم كرِهتُ هذه الكلمة!) و"الهامات"، ويعتَبِرون كُلَّ مَن لمْ يَركعْ لأصنامِهِم "أقزامًا". تحدّثتُ بالأمسِ عن تقييمِهِم بالمُفاضَلَةِ واليومَ أنقُدُ تقييمَهُم بالإقصاء،ِ وهو تقييمٌ مقدودٌ بدورِهِ على نَموذَجِ الشِّركِ وتأليهِ البَشَرِ. ألا يقولون : "لا شاعرَ بعدَ المُتنبّي"؟ "لا فنّانَ بعد أمِّ كُلثوم"؟ " "لا إمامَ بعدَ فُلان"؟ أليس هذا ( والمعذرة عن المقارنة التي لا تجوز) على وزنِ "لا نبِيَّ بعدَ مُحمّد"؟ حتى أنّني رأيتُ في بلادِ المشرِقِ إعلانًا إشهارِيًّا على وزنِ "لا إلهَ إلا الله"، وهو عنِ الدّجاجِ المَشويِّ الذي اسمُهُ التِّجاريّ "الطازج". والإعلان هو: "لا طازج إلّا الطّازج".

ضَحِكَ صاحبي حتّى استلقى وقال بينَ قهقهتيْن:

"للهِ دَرُّكِ يا "زايزة" نوبل (نطقها كما قد ينطِقُها أحَدُ نُوّابِ مَجلِسِ شَعبِنا مِن غيرِ المُتفَرْنِسين)!