partage

حديث المقهى 14. بقلم نبيل رضوان

2017/03/11 09:07

مِن حُسنِ حظّي أنّني مِنَ المُستيقظينَ باكِرًا. لِذا أتردّدُ على المقاهي التي تفتحُ أبوابَها فجرًا. فاحتساءُ القهوةِ قبل الشّروقِ مَمزوجًا بتلك الجُمَلِ التي نتبادلُها واللُّمَعِ التي تصِلُ إلى مسامِعِنا لهُ طَعْمُ البِداياتِ.

ومِن حُسنِ حظّي كذلك أنّني كنتُ أختَلفُ فَجرَيْنِ كلَّ أُسبوعٍ إلى مقهى "الطّبابليّة" قُربَ دار المُعلِّمين العُليا.

للقهوةِ الأمريكيّةِ التي أَحْتَسي هُناك - قبلَ الصّعودِ إلى مَكتبي- نُكهةٌ استثنائيّةٌ وللمكانِ روحٌ خاصَّةٌ به. لكنّ طُقوسَ المقاهي الصّباحيّةِ هيَ نفسُها وأحاديثَ رُوّادِها مُستوحاةٌ مِن نفسِ الصّميم.

قال أحَدُهُم مُتفاخِرّا:

"فُلان رئيسُ الحِزبِ الفُلاني ثاني مُثقّف في العالم العربيّ".

وهذه النُّكتة لم تُضحِكْني لأنّني أعرفُ أنّ التّقييمَ بالمُفاضَلةِ مِن شِيَمِ العربِ بل مِن مناهِجِهِم النّقديّة. لقد كانوا يُصنِّفون شُعَراءَهم بأسماءِ التّفضيلِ فيقولون:

"فُلانٌ أشعرُهم" و "شاعِرُهم أفخرُهم" أو "أوصَفُهم" أو "أمدحُهم" أو "أهجاهُم" إلخ.
ومِنَ اللافِتِ أنّ العَربَ - إن خابوا في الفوزِ بالمرتبةِ الأولى - قالوا: "فُلانٌ ثاني أفضل لاعبٍ في آسيا" أو "خامس أسرع عدّاء عربيّ" أو "عاشر أثرى رجل أعمال في العالم" (ولا ندري لماذا لا يقولون "سابع أقبح وجه" "ثالث أغبى عربيّ" أو سابع أفقر مُعلّم"!!!؟)

ولن أُذيعَ سِرًّا إذا قُلتُ إنّ بِنتَ الدّهرِ هذهِ (أعني مَرَضَ التّسابُقِ المَحمومِ نحوَ التّرتيب والمُفاضلة) أصابتْ كذلك بعضًا مِن زُمَلائنا الجامعيّين المُتورِّمين، إذْ مِنهم مَنْ صَنّفَ نفسَه، خِلالَ دروسِهِ العظيمةِ وخُطَبِه العصماء: "خامس أبرز مُختصّ في اللّسانيّات على الصّعيد العالميّ." وكلُّنا طبعًا جاهِلٌ جهولٌ بحقيقةِ هذا التّصنيف: مدى بُعدِهِ الرّسميّ المُوثَّقِ ومتى وكيف؟

والأهَمُّ الآن هُو أنّ نابِغتَنا لمّا صرّح بترتيبِ نفسِهِ "خامِسَ أفضلِهِم" كان ذلك في التّسعينات، مِمّا يُبرِّرَ تقدُّمَهُ اليومَ فأصبح "رابِعًا" بعدَ وفاةِ أحَدِ المُتفوّقينَ عليهِ مِمّن تجاوزوا الثّمانين.
أمّا بطلُنا فلمْ يبلُغِ السّبعين بَعدُ. وهذا يزيدُ مِن فُرَصِه،ِ عامًا بعدَ عام، لِيفوزَ بجائزةِ نوبل... للإيهامِ والأوهام.