partage

حديث المقهى 13. بقلم نبيل رضوان

2017/03/08 10:24

وإذا وصلَ جيلبار لِيقطَعَ ما كان يستغرِقُ مِنّي دقائقَ تفكيرٍ وتخمينٍ أخلو أثناءَها إلى نفسي، رحّبتُ بالقادِمِ ودعوتُهُ لِيُصيبَ مع قهوتِهِ المُشَطَّرةِ حَليبًا شيئًا مِنَ الكعكِ أو "الدّقلة" التي أمامي.

وما أكثَرَ ما يستفسِرُني الرّجُلُ في مسائِلَ التبسَتْ عليه فيأتيني باكِيًا بِما يُشبِهُ التّبسُّمَ وشاكِيًا بِما يُشبِهُ التّهكُّمَ.

يسرُدونَ عليه الخُرافاتِ حتّى استأنسَ بها، ويُملونَ عليه الفَتاوى حتّى اعتادَ عليها، لكنّه شديدُ الضّيقِ دائمًا بِما يعتقِدونَ عنِ "المَهْوَدَةِ" و"اليَهُود" وكيف مأتاهُم مِنَ "الجيفةِ" ومآلُهم ـ وإن فازوا بالجَنّةِ ـ آخرُ الدّرَجاتِ. وهو في ذلك كُلِّهِ لا يفقَهُ لهذه التّصنيفاتِ معنى ولا يفهَمُ شيئًا مِن فُروقِ الأديانِ السّماويّةِ مُجْمِعَةً على فِعلِ الخير ولَوْ اختلفَتْ طقوسُها وشعائرُها وعِباداتُها.

يهوديُّ الدّيانةِ نعم، لكنّه تونسيٌّ حتّى النُّخاع ومُسلِمُ الوِجدانِ والقلبِ واللّسانِ، لا تنقُصُه إلّا الشّهادةُ وقد ينطِقُ بها في اليومِ مرّاتٍ ويستشهِدُ بالسّيرةِ والحديثِ والقرآن.

قال مُستنجِدًا برأيي وفي سؤالِه سَذاجةٌ يُخالِطُها البَيان:

"قالوا لي: لِكلِّ مقامٍ كلام، فهل صحيحٌ أنّ الحديثَ عنِ النِّساءِ حرام؟"

قلتُ:

"دعكَ من هذا يا أخي. أليسَ النبيءُ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ من قال عنهُنَّ مازِحًا: "رِفقًا بالقوارير"؟ ألَمْ يتزوّجْ صفيّةً وكانت يهوديّةً ومنَعَ حارِسَه أن يقِفَ أمام خيمتِهِ خوفًا عليه مِنها لأنّه قتل أباها وأخاها في يومٍ واحدٍ؟ ثمّ أليس أمامَهُ قرأ كعبٌ ابن زهير لاميَّتَهُ الشّهيرةَ مُتنكِّرًا حتّى قال بيتَ القصيدِ:

"إنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ
مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ مَسْلُولُ"؟

لكنّهُ كيف بدأها؟ أليس بالنّسيبِ، ورقيقِ التّشبيبِ؟

"بَانَتْ سُعاَدُ فَقَلْبِي اليَوْمَ مَتْبُولُ
مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ"

ثمّ خُذْ عنّي هذا البيتَ من نفسِ لامِيّةِ كعبٍ وقد قاله أمام الرّسول:

" هَيْفَاءُ مُقْبِلَةٌ عَجْزَاءُ مُدْبِرَةٌ
لَا يُشْتَكَى قِصَرٌ مِنْهَا وَلَا طُولُ".

ضحِكَ طويلا ومضى كالعادةِ يمدَحُني ويُسنِدُ لي ألقابًا ودرَجاتٍ لا أُحِبُّها إلّا مِنه وما وسَّمَني بِها غَيرُه. فَدَعُونا اليومَ ـ بالله عليكم ـ مِنَ الحديثِ عن...جائزةِ نوبل، حابِلِها ونابِلِها!