partage

حديث المقهى 12. بقلم نبيل رضوان

2017/02/19 08:54

واصل ضيفي حديثَه سَمَرًا في بيتي بعد أن قضى يومَه مشغولا بمواعيدِ العاصمة، يركُض من مكانٍ إلى مكان، ومضى بعد العشاء يُذكِّرُني أعذبَ الأيّام عِشناها في القيروان.
حتى إذا استزدتُه مِمّا كان يرويه، واستكفيتُه سردًا فَكَفانِيه، أَلَانَنِي رِجْعُ حديثِه وأَنَامَنِي.

ومن الغدِ أصبحنا في قهوة النخيل. سأل ضيفي القيروانيُّ عن جيلبار وما أكثر ما حدّثني أحدُهما عن الآخر في مدحٍ عريضٍ طويل.
فإذا بالرّجل يُقبل علينا ومعه رُطَبٌ وقليلٌ من شطائرِ الجُبنةِ وفطائرِ "الكرواسان".

طَعَمَ صاحبي قضْمتين ورشْفتين ثمّ أبَى إلّا أن يستدرِجَني حتّى أُحدّثَه عن زميلٍ لنا آخر في القيروان غير الذي لقّبناه "ديوجين الكلبي"
(Diogène le Cynique).

وكان يعني أستاذًا مُلحَقًا بالجامعة آنذاك، لا يُطيقه البقيّة لشِدّةِ بُخله، وكنت الوحيدَ الذي يستظرِفُه مُتحمِّلا ما يُكَلّفني ذلك من مصاريفِ المُجالسة والمُشاربة تتخلّلُها تحلِيَةٌ بما يطلُبُه من المُرطّبات،ٍ أو تسليَةٌ بما يفرضه من المُكسّرات.

كان من عائلةٍ عريقةٍ بالقيروان وكان من الميسورين المُترفين، ومع ذلك فإنّه قد فاق مُعاذةَ العنبريّة بُخلا وشُحّا. كان، كما قال أبو عثمان، "إذا صار في يدِه الدِّرهمُ خاطبَه وناجاهُ وفدّاهُ واستبطأَهُ".
ولم أكن والله أستلطِفُه من أجل "اقتصاده" وتقتيره بقدرِ ما كان يشُدُّني من شخصيّتِه وعيهُ المُعلَنُ بحُبِّهِ جمعَ المالِ وادّخارَه إلى يوم يُبعثون.

كان يسرُد عليّ حكاياتِ بُخلِه ّفلاَ يبخل، ويلتمِس تحقيرَ نفسِه بنفسِه بِلا مَلَل، مستمتِعا بِما جادت بهِ مسيرتُه الشَّحيحةُ من الحِيَل.

ومن طرائفِ البُخلِ التي كانت تُشاع عنه ولم يغفرْها له زُملاؤُه "الدّكاترة" العِظام، أنّه أكلَ ذات غُروبٍ على موائدِ الإفطار في رَمَضان. ولمّا أنّبَهُ الجماعةُ قائلين:

" ويْحكَ يا رجل، ألا تدري أنّ موائدَ الإفطار قد جُعِلت للمُعوِزين؟"

أجابهم مِن دون تخمين:

"أوَ لَسْنا، نحن أساتذة الجامعة، من المُعوِزين؟"

ما زالت واللهِ تُضحكني هذه الإجابةُ كثيرا وتُذكّرني بذاك الذي روى عنه الجاحظ:

"بَكَى مُعْوِزٌ مِن أَنْ يُضَافَ وطَارِقٌ
يَشُدُّ مِنَ الجُوعِ الإزار عَلَى الحَشَا."

ضحِكنا ولم يضحك جيلبار، فالتفتَ إليه صديقي القيروانيُّ وقال له:

" أوَ تعلَمُ أنّك اليوم مشهور؟ لقد دخلت تاريخ الإبداع بفضل الدكتور؟"

نظر جيلبار وكأنّه لا يفهمُ ما يجري وماذا يدور، وقال:

"الحمد لله...ربّي يهدينا كلّنا...يا أخي...ماهذه الحياة؟...يا لطيف اللُّطف!..."

هكذا جيلبار. لا تدري كيف يُحصِّل من كلامنا التونسيِّ أرسخِه في عاداتِنا اللّغوية، ثمّ كيف يجمَعُه مُتراصًّا مُتناقضًا في جُمَلٍ تُحاكي قِطَعُها المبعثَرَةُ فُسَيفُساءَ متقطِّعَةً، تماما مِثْلَ "بوزل" مُفَكَّكٍ ومُشَوَّشٍ، لكنّه يرقى دائما إلى مرتبة "الباتشوورك" فنًّا خالِصًا لا أدري كيف.
تراه ينتقل من التعبير عن الرِّضا والارتياح، إلى الضّجَر والكدَرِ، ومِنْه إلى التذمُّرِ والنُّواح...وتجد مع ذلك خيطًا سِرّيًّا ليليًّا يربِط بين هذه الحالاتِ المُتناقضات.

قال زميلي الضّيفُ مُتضاحِكًا في شيءٍ من الحماسةِ لا تخلو من الإيحاء والتّلميح:

" هنيئا لك بجيلبارك هذا، يغبِطُك عليه الكريم، ويحسِدُك عليه اللّئيم!"

تنهّدتُ محزونًا وقلتُ لضيفي قارِئًا فيه صَدَى الحَنين، قارِعًا مِنه بابَ الشَّجَنِ عاد إلى سِنين:

"وفي القيروان الجميلة كذلك كانت لي ثوابتُ أخلو إليها في القَهَواتِ، وأماكنُ أحِنُّ إلى أجوائها بين الأسواق والدّكاكينْ، وروائحُ توابِلُها عِند العَطّارينْ، آه يا حَمّام بَرّوطة ويا بابَ الجلادينْ!"