partage

حديث المقهى 11. بقلم نبيل رضوان

2017/02/18 10:43

أمّا الذي زارني بالأمسِ فصديقٌ صديق.
وصداقته قديمة قِدَمَ إقامتي في القيروان أواخرَ الثّمانينات. أيّامَها بدأتُ التّدريسَ الجامعيَّ في كُلّيّة الآداب برقّادة حيث تركتُ ذكرياتٍ غيرِ الذكريات، وقَهَوات غيرِ القَهَوات.
قال وهو قُبالتي يُشاركُني الجلوسَ صباحًا مع جيلبار:

"إنّ حديثَك كَيْفَمَا قلَّبتَه مرتبِطٌ دائما بنفس الفضاءِ تخلو إليه لِتُبدِعَ أفكارا وتُحرِّكَ سواكِنَ. أرى للفنادقِ والمطاعِمِ وُجودًا لازِمًا في حياتكَ وفي كتاباتكَ. ولا تَسَلْ عنِ القَهَواتِ، فهي منذُ أيّامِ القيروان ماكِثَةٌ في غُدُوِّكَ ورَواحِكَ، مسائِكَ وصباحِكَ."

قلت وقد اعترَتْنِي تلك الهزّةُ الوِجدانيّةُ التي يُسمّيها العارِبَةُ "طرَبًا":

"أتذكُرُ قهوةَ "خَليفه" وقهوةَ "عْمُرْ" حيثُ كانت جَلَساتُنا الطّويلةُ مع صديقنا ناجي الغربي الذي كُنّا نُلقِّبه "ديوجين الكلبي"
Diogène le Cynique?
في أيّ مكان تراه الآن؟ وأين حطّ رِحالَه؟ كان لا يُجيب أبدًا عن أسئلتنا ب"نعم" أو ب"لا" بل بعبارتِه الثّابتةِ بين بين: "قد يكون" أو "رُبّما" أو بالفرنسية: "probablement"
أو "presque".

كان يضع مِن الملاحظات على دفاتر الطّالبات النّاجِحات أو الرّاسِبات ما يُضحِكنا طويلا ليُسعِدَ به جَلَساتِنا ويزيدَها روعةً على روعةٍ. كان يكتُب في حاشية ورَقاتِ الاختبار أو في خانَةِ النّتائجِ النّهائيّةِ للطّالباتِ وبالعربيّة (مع أنّه أستاذُ اللّغةِ الفرنسيّة): "لدَيْها إمكانيّات" وعن الأخرى: "لافِتَةٌ خُلُقًا وعِلْمًا وتحصيلا"، والأخرى يكتب عنها: "يتيمةُ دهرِها"!

ضحِك صاحبي القيروانيُّ وهو ديدروسيُّ الهوى نِسبةً إلى الأديب الفرنسيّ وفيلسوفِ اﻷنوار "ديدرو" Diderot الذي يشتغل على أعماله كاملةً منذ سنين، وقال:

"نعم، وكانت لك علاقةٌ خاصّةٌ بمجانينِ المقاهي في القيروان، تُحسِنُ إليهم المُعامَلةَ وتُخاطبهم بما يفهمون (أو قُل بما لا يفهمون) ولا يجلسون إلّا إليك. أتذكرُ الدّرويش ميلاد رحمه الله؟ قيل مات منذ بِضعِ سنين"

قلت مُتنهِّدًا:

"نعم، وأتذكّر الآخرين!"

ثمّ أضفتُ مُتحرِّقا على زمنٍ مضى ولن يعود:

"كم أودُّ العيشَ مِن جديدٍ في تلك الرُّبوع والعودةَ إلى التّدريس بعيدا بعيدا. لكن هيهات، فذاك زمان والآن زمان. اليوم بات المرء يا صديقي يحلُمُ بالهِجرةِ دون عودةٍ إلى غيرِ بلادٍ وغيرِ مكان. ومَن مِنّا لا يندَم ندَمي اليومَ على فُرَصٍ أتَتْني للإقامة الدّائمة في بلاد الغرب وفي باريس تحديدا؟ كُنّا نَغار ونخشى على هُوِيّتِنا التونسيّة، واليومَ نَفخَرُ بابتِياعِ جِنسيّاتٍ غيرِها، هُروبًا مِن مُستنقَعِ أوهامِ الصّحوةِ وأورامِ النّخوة."

نظر صديقي القيروانيُّ الديدروسيّ إليّ طويلا ( وهو الذي قاسمني كذلك سنواتٍ طِوالًا مِن الغُربة في الخليج) وقال:

"أعرف أنّك لا تطيقُ الابتعادَ عن صلامبو إلّا استعدادًا للوَجَعِ والاكتئاب. لا أحَدَ يُدرك غيري ما قد تُعانيه مِن ألمِ المَنفى وكَدَرِ الاغتِراب."

قلت:

"ولكنّ اليومَ أختارُ أحلى المرارتين: مرارةُ الغُربة أهوَنُ مِن مرارةِ البقاء. وليَكُن تشاؤمًا أو جُبنًا أو انتحارًا، لا يهُمّ. حبّذا لو أبتعد مُنشِدًا قولا أستجيدُه لأبي قُطيفة القريشيّ، نفاه ابن الزّبير إلى الشّام ثمّ أذِن له بالرّجوع بعد أن سمِع بيتيه فمات الشّاعر المنفيُّ وهو في طريق العودة:

"وَمَا أَخْرَجَتْنَا رَغْبَةٌ عَنْ بِلادِنَا
وَلَكِنَّهُ مَا قَدَّرَ الله كَائِنُ
أَحِنُّ إِلَى تِلْكَ الوُجُوهِ صَبَابَةً
كَأَنِّي أَسِيرٌ فِي السَّلاسِلِ رَاهِنُ."