partage

حديث المقهى 10. بقلم نبيل رضوان

2017/02/12 06:09

لعلّكم تتساءلون عن هذا الجيلبار من يكون وكيف عرفتُه؟ هو مولودٌ في ضاحية الكرم ومُقيم فيها منذ ما يزيد عن الستّة عقود. وهو أشهر سبّاك في الضاحية الشمالية : يتقن صناعته ويرضى بأيّ مقابل يدفعه الزّبون. يهودي الديانة لكنّه يقرأ القرآن من الجِلدِ إلى الجِلدِ، يحفَظ ما تيسّر مِن الآياتِ ويسألُني كلّ صباحٍ عن بعضها مترجمةً إلى الفرنسية.
رأيتُه أوّل مرّةٍ ذات صباح واقفا أمام المقهى وفي يده كوبٌ من الحليب السّاخن ينظر إلى طفلِ العاشرةِ نائما على الرّصيف. كان يقول وعيناه تدمعان:

"قوم افطر يا بابا"

جاءه النّادل - وهو من بني دينِنا ومِلّتنا - وقال متظاهرا بالمُزاح:

"كفاك رحمة يا جيلبار. اليوم إذا رأيتَ أحدا على الأرض، فَدُسْ على بطنِهِ غيرَ آسِفٍ"

بات جيلبار منذ تلك الحادثة شريكَ المُجالسةِ صباحًا في مقهى النّخيل، اعتادَ على حديثِنا اليومي وطقوس قهوتنا وقد يُجالسنا آخرون.

وحدث مرّةً أن انزلق به الحِوار إلى سرْد تاريخِ عائلتِه اليهوديّة وأجدادِه الذين عاشوا وماتوا في ضاحية الكرم. كانت جدة جيلبار واسمها
(Reine Diamantine)
(تعني الملكة الماسية) تًلازم أميرةً من بنات الباي في ضاحية المرسى مُلازَمَةً وفيّةً، كانت تخدِمها وتعلّمها العزفَ على البيانو. أمّا ابن اليهوديّة - وهو خال جيلبار - فقد رضَع من ثدي مُرضِعةِ الأميرةِ فصار خليقًا أن يُعتبَر أخاها من الرّضاع.

ولم يقِف هذا التّزاوجُ والتمازجُ بين اليهوديّ والمسلم، وبين العربيّ والافرنجيّ عند هذا الحدّ بل فاقَه حتّى انقلبَ الوفاءُ فداءً.
ولمّا تقدّم السِّنُّ بالأميرة أصابها مرضٌ عُضال شديدُ العدْوى فعَزَلَها أهْلُ القصرِ في غرفةٍ نائيةٍ لم يكنْ يقربُها أحدٌ إلّا جدّةُ جيلبار...اليهوديّة! كانت تدخل الغرفةَ كلّ يوم بينما يأبى دخولَها أهلُ الأميرة خوفا من العدوى...
وواصلت الجدّة ملازمةَ الأميرةِ ابنةِ الباية "لِلا جنَيْنَة" ولم تنقطع عن العزف لها على البيانو كُلّ يومٍ، بل احتضَنَتْها ساعاتِ احتضارِها الطِّوال احتِضانا إلى أن ماتت المُسلمة...بين يَدَيْ اليهوديّة، التي لم تكُن تخشى عدوى المرَض وتُوُفِّيتْ بعد سنِ المائة!

ذاك هو جيلبار، اليهوديّ التونسيّ الذي لم ألْقَ حياتي أحرصَ مِنه على الصِّدقِ والمحبّةِ وفِعل الخير.

ومن محاورِ مُزاحِنا المجنون، أنا وجيلبار، في ساعات المُؤاكلةِ والمُشاربةِ الصباحيّة، وسُخريتِنا المُشتركة مِنّي ومِنه ( وليس دائما مِن الآخرين) أن يُشير لي بعينيه إلى بعضِ الجالسين غير بعيدٍ يسُبّون اليهودَ سِبابا عاديّا ولا يُفرّقون بينهم ديانةً وبين الصّهاينةِ سياسَةً، بينما لا يبخَلون على جيلبار بحلاوةِ الكلام وحرارةِ السّلام ومودّةٍ يُخالِطها الاحترام. وكأنّهم يَنسَوْن أنّه يهوديّ مِن أولئك الذين يسُبّون ويشتمون.

كنتُ أغتاظ كُلّما سمِعْتُ ذاك السِّبابَ لكن سُرعان ما أكتِم غيظي وأُهَوِّن على صديقي مُبرِّرا ومُحَلِّلا، حتّى إذا سكن وعادت إليه بسْمتُه السّاخِرةُ ضَحِكْنا معًا كما لمْ نضحكْ أبدًا ولم نعبَأْ بِمن حولَنا مِن دهماءِ الناس وأغبياءِ العامّة، أولئكَ الذين صحَّ فيهم قولُ الجاحِظِ في إحدى رسائل "البُخَلاء":

"فإن قضيْتُم بقولِ العامّةِ، فالعامّةُ ليست بِقُدوة. وكيف يكون قدوةً من لا ينظُر...ولا يُفَكِّر؟".