partage

حديث المقهى 9. بقلم نبيل رضوان

2017/02/10 07:14

وإن عاتبتموني على ما أَنعتُ به المتعالمين من استعلاءٍ في غير محلِّه وتصنُّعٍ في غيرِ حياء، فأستطيع أن أُبرِّرَ لكم ضيقي بهذا الضّربِ من سخيفِ الرِّياء.
فشتّان بين من له قَصَباتُ السَّبْقِ من دون دَكْتَرةٍ مُتورِّمةٍ ولا ألقاب، وبات اسمه بعيدَ الذِّكْرِ في كُلّ الأحقابِ واﻷقطاب، وبين من يملأ حُنجرتَه وفمَه وأوداجَه بشهائدِه ورُتَبِه العلميّة!

ولِمَ لا؟ والكُلّ يُولَد اليوم مُزمِعا تقديمَ رسالةٍ ونيْلَ درجتِها كمَن يتأهّب لتقديم وثائقِ الحُصولِ على رُخصةِ سياقةٍ أو جوازِ سفرٍ أو إثباتِ هويّة. ثمّ يقول المُتدكْتِر المُتمتِّع بحقّ الملكيّة: " هذه دُكتورائي"!

وإن أمعنْتَ في هذا الدكتور الممتلئِ ألقابا وجدتَه أفرغَ مِن فُؤادِ أُمّ موسى. وكيف له الامتلاءُ بقدر ما هو مُفخَّم الاسم مُضَخَّمُه ولم يقرأ يوما كتابا أو مُصنَّفا غير الذي اجتزأَ منه جُملةً أو اقتطعَ منه فِكرةً استشهد بها في أُطروحته "العصماء"؟
وكيف لنا أن نحسبَه مُثقَّفا وهو الذي لم تطأْ قدماه أبدا مسرحا أو قاعة سينما؟ بل اكتفى بتجميع مئاتٍ من الصّفحاتِ عن الفاصلة المنقوطةِ في شعر مالارمي:
(Le point-virgule chez Mallarmé)
أو عن المعاني الحقيقية والمجازية للذُّبابة وخِصيَتِها اليُسرى كما يقول رابلي (Rabelais):

« Le couillon gauche du moucheron »

ثمّ هكذا أمضي وحيدا في هذه التّخمينات المريرة الطِّوال، أنتظر أن يأتِيَ أحَدٌ مِمّن يخِفّون عادةً إلى المقهى لتبادُلِ القيلِ والقال.

ومازلْتُ أسخرُ مِن نفسي الحاقدةِ الحاسدةِ وأُنصِتُ مغلوبا إلى ضميري يُؤنّبُني في شماتة:

"مُتْ بغيظِك يا هذا أو اذهب إلى الجحيم وإلّا فاقبلْ – ولو مُكرَهًا - بجائزة نوبل مع الجماعة! "

ثمّ أحمدُ الله أن جاء صديقي جيلبار ليُحدِّثَني عن الحُبِّ والحبيب، وعن شجونٍ من الغَزَلِ وفنونٍ مِن التّشبيب.