partage

حديث المقهى 8. بقلم نبيل رضوان

2017/02/07 10:02

كان سِيدِي كمال الدّين جعيّط – رحمه الله – يُنصِتُ إلى الإجابات الذكيّةِ حتى آخرَها ليشكُرَ التلميذَ الذي أجاب فأصاب. وكان وحده الأستاذ الذي نسمع منه غير تلك الكلمة الرسمية يمِنُّ بها علينا بقيّةُ الأساتذة: "حسن جدّا"، "ممتاز"، "جيّد جدّا" وغيرها من العبارات الشبيهة الأخرى...

أمّا سِيدِي كمال الدّين جعيّط – طيّب الله ثراه – فقد كان يقول للتّلميذِ النجيب: "بارك الله فيك!"

وكان أغلبُ أسئلتِهِ يتعلّق بالشعر وبلاغتِه، بديعِهِ وبيانهِ، يُراجِعُنا في غير مَلَلٍ حولَ دقائقِ التشبيهِ فيه والمَجاز، ولَطائِفِ النّظْمِ مِنْهُ بِلا نَشاز.

وقَد يستفِزُّنا أحيانا بشيءٍ من غريبِ اللّفظِ الذي اسْتقامتْ تفعيلَتُهُ وشَذّتْ مُفْرَداتُهُ، ومنهُ أذكُرُ بيْتيْن اختلَفتْ حولهما الرّواياتُ:

"لَمَّا رُمِي بالقَطْنَجُوبِ تَقَعْقَرَتْ
شَرْخافَتاهُ وفاضَ بالخُرْبَعْطُلِ

فَكَأنَّمَا والمِشْفَطَانُ تَنُوشُهُ
فُقْرُنْبُصٌ يَعْدُو عَلَى مُسْطَعْبِلِ"

وكثيرًا ما كان يُذَكِّرُنا بِأنَّ مُرادِفَ كلِمةِ "العُشْبِ" غريبٌ يَصْعُبُ نُطقُهُ لِتصادُمِ الهاءِ فيه بالعيْن والخاء، وهذه كُلُّها أصواتٌ بعيدةٌ مخارِجُها قاسِيةٌ غضاريفُها. وهذا المُرادِف هُو "الهُعْخُعْ".

ومِن الأبيات التي كان يُعيد روايتَها وشرْحَها مِن دون أن تمُجَّها آذانُنا، ويستزيدُ مِن تفصيلِ مَجازِها، بيتٌ كان يقول عنْه أوصفَ الشِّعْرِ لِحَشْدِه صُوَرًا كثيرةً واستعاراتٍ لا تخلو مِنها مُفردةٌ مِن المُفْرداتِ، وهوَ بيتُ كنت أحْسَبُهُ لِجريرٍ ثمّ عرفتُ بِأَخَرَةٍ أنّه للخليفة الشاعر يزيد بن معاوية:

"وَأمْطَرَتْ لُؤْلُؤًا مِنْ نَرْجَسٍ وَسَقَتْ
وَرْدًا، وَعَضَّتْ عَلَى العُنَّابِ بِالْبَرَدِ."

والآن ما زِلتُ أحمِلُ ذاك البيتَ في ذِهني راسِخًا، أرْويهِ وأذكُرهُ مِثالا في الوصف المُمتلئ بلاغةً وإيجازًا. بيتٌ عاشرتُهُ مُعاشرةً حتى وجدتُني اليومَ أُنشِدُه غيرَ مرّةٍ على مسامِعِ جيلبار حين يأتيني إلى قهوة النخيل مُتثاقلا وقد أنهكَتْهُ ليلتُهُ الطويلةُ وأسْهَدَتْهُ كوابيسُها.

يسْمعُهُ ليهدأَ حينًا ويتذوّقُهُ فنًّا غريبًا يحمِل غايتَه في ذاتِه مِثلَ الفُنون التشكيليّةِ المُجرَّدَةِ، لا يَعكِسُ مرجَعًا يُفْهَمُ مِنهُ مضمونٌ أو لغةً يُفْقَهُ مِنها رِسالة.

يُنصِتُ جيلبار إليّ أُنْشِد البيتَ ويكْتفي باستساغةِ مادّتِه الصّوتيّةِ الجرْسيّةِ نَبْرًا وتنغيمًا كَمنْ يستمعُ في شَغَفٍ إلى سُنْفونيّةٍ مِن الموسيقى الكلاسيكيّة فينْأَى بِحِسِّهِ عن هُمومِ الشّرحِ والإفْهام إلى تُخومِ اللَّمحِ والإلهام.

ومع ذلك استغثْتُ صبيحةَ هذا اليومِ ببعضِ خيانةٍ عَوْنًا على طلَبِ الأمانة، لأرى وَقْعَ البيتِ على جيلبار لَوْ نقلْتُهُ ترجمةً تقريبيّةً إلى ما قد يَعْنيهِ بالتّطويعِ والتّصرُّف في اللغة الفرنسيّة:

Il pleut de ses jonquilles
Des perles qui arrosent...des roses;
Et les airelles,
Qu'elle mordille
De sa grêle,
Sont jujubes
Ou myrtilles.

وَجَمَ جيلبار، ثُمّ غاص في كُرسِيِّهِ وتسَمَّرْ، وبَعدَ انْهِدَادِهِ تَنَهَّدَ وَتَذَمَّرْ:

" يا لَطيف اللُّطْفْ!"

رأيتُهُ مأْخوذًا مَصْعوقًا بالبيتِ الذي حاولتُ أن أنقُلَ مِنه شِعرًا عربيّا بِما يُشْبِه شِعرًا فرنسيًّا، وسَمِعتُهُ يُثْني وَيمْدَحُ حَتّى كِدْتُ أن أرْضَى عن نفسي وأنزلِقَ مِنه إلى الغُرور...لكنّني تذكّرتُ أنّهم "نَوْبَلوني" رغم أنفي مع الجماعة منذ شُهور... فما طَرِبْتُ ولا استبشرْتُ ولا جَنَحْتُ إلى الحُبور...

وتواضعتُ، وتماسكتُ، وقلتُ في نفسي:

"والله حتّى لَو "نَوْبَلني" صديقي جيلبار...ما "تَنَوْبَلْت"!