partage

حديث المقهى 7. بقلم نبيل رضوان

2017/02/03 07:25

كنت أصغي هذا الصباح إلى جيلبار وهو يتكلّم عن الحبّ وأوجاعه حتى إذا أوشك أن يأخذه الشجن وتُذِلَّه الدموع راوحتُ أنا ببعض مزاح يهيّأ هذا "العاشق اللاّزم" لشيء من التفاؤل والمرح.

قلت ضاحكا وقد التحق بنا ثالثنا وهو صديقنا "المايسترو" مدرّس الموسيقى:

" الواضح يا أستاذ أنّ جيلبار يطبع في نغمة الصَّبا" ( وهي نغمة البكائيّات)

ضحك "المايسترو" ثمّ دندن بشيء من أغنية أمّ كلثوم "هو صحيح الهوى غلّّاب" ضاربا بذلك مثلا عن مقام الصَّبا.

قلت ممازحا صديقنا المدندن بالنغمات:

“ أخفض صوتك يا أخي سيجيئك من الجالسين هناك من يأمرك بالتوبة عن المعازف."

قال:

" أي نعم. يكفّرون أساتذة الموسيقى ويثنون أبناءهم عن تعلّمها."

جعلني كلامه الحزين أتذكّر مشاهد رأيتُها وأحكاما سمعتُها كان لها في نفسي أثرٌ بعيد. تردّدتُ ولم أشأ الخوضَ مرّة أخرى في مثل هذه المواضيع الشرعية لكنّ صديقي ألحّ في السؤال والتمس الدليل. قلت له:

"يستند بعض هذه الفتاوى التي تحرّم الموسيقى إلى الآية 6 من سورة لقمان:

" وِمِن النّاسِ مَنْ يَشْتري لَهْوَ الحديثِ ليُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بغيْرِ علمٍ".

وسببُ ذلك أن أحد الصحابة أقسم أن الموسيقى هي المقصودة بعبارة "لهو الحديث"، مع أنها تعني "الحديث الذي يُلهي" وإلّا نقلها المترجمون بلا تردّد مستعملين الكلمة الفرنسية:
Musique

وتمّ تحريم المعازف لما قد تؤول إليه الأمور من مصائب جنون ومجون، وهذا سبب كافٍ لينفي عن الموسيقى في حدّ ذاتها صفة الخطيئة إذ هي لا تقود ضرورةً إلى الذنوب. بل هي أجمل الفنون المتاحة، أقربها للروح وأطربها للوجدان كما قالت الإغريق قبل سقراط. ألا ترى أن ترتيل القرآن لا يخلو من التنغيم مهما قرب إلى القراءة والتلاوة "البيضاء" ومهما حاول المقرئون ؟ ألا نطرب لتجويد القرآن؟ "

كان جيلبار كعادته يسترق النظر ويبتسم ثمّ يطرح سؤالا بريئا في ظاهره خبيثا في باطنه:

"وما الطرب؟"

قال "المايسترو" مثنِّيا على قول جيلبار:

"هم حرّموا الغناء والعزف فكيف بالطرب؟"

أجبت:

"الطرب هزّة تعتري النفس، تُسعِد من أنشد وغنّى وتأسر من سمع وأصغى. لكنّها لا تؤذي الآخرين متى كان المنشد أو المغنّي مسؤولا عن موسيقاه فحرص على أصولها وآدابها ونأى بها عمّا ليس فيها من الأذى. ألم يخلع النبيّ - صلّى الله عليه وسلّم – بُرْدته "طربا" ليُلبسها كعب بن زهير لمّا أنشد أمامه متخفّيا ومتنكّرا بعد أن أهدر دمه قصيدته:
" بانت سعاد..." إلى أن قال:

" إن الرسول لنور يستضاء به
مهنّد من سيوف الهند مسلول"؟

فخلع النبي بُرْدَته وقال:

"قُلْ "مِن سيوف الله" يا كعب!"

صمت الصديقان وما أسرع ما نسِيا فوزنا بجائزة نوبل، و"المايسترو" ترقيتَه أستاذًا أوّل فوق الرتبة، وأنا هزيمةَ فريقنا القومي أمام بوركينا فاسو...
وعاد جيلبار إلى غراميّاته والأستاذ إلى دندنته أغنية أم كلثوم في مقام الصَّبا.

أمّا أنا فأعرف أن في وجدان جيلبار نغماتٍ من شجن آخر،َ فهو كُرديُّ المقام حليميُّ الهوى (نسبة إلى عبد الحليم وإلى مقامه المحبّب: نغمة الكُرْد).