partage

حديث المقهى 6. بقلم نبيل رضوان

2017/01/18 14:17

هذه الطريق بين البيت والمقهى أحب كل صباح أن أقطعها مشيا، ولا أفهم أولئك الذين يستعملون سياراتهم لقطع مسافة لا تستغرق من الراجلين أكثر من خمس دقائق.

نعم أتحمل برودة الطقس فجرا والظلمة الدامسة، وقد تعترضني قطط وكلاب سائبة ولا يقلقني ذلك بقدر ما يزعجني أن أركب السيارة لأشعر أنها الراكبة وأنا المركوب. إسفلت محدودب وحفر كثيرة ولا مكان لتركن السيارة إلا أن تعرضها للمضائق والمخانق والمخالفات.

ومن رواد مقهى النخيل غير المنتظمين رجل لا ينتقل إلا بالسيارة ولو استطاع أن يصعد بها السلالم لفعل، وزد أنه من المدخنين النهمين المدمنين.

وجدته اليوم قد سبقني إلى الجلوس مع جيلبار فأقبلت ثم تراجعت باحثا عن مكان بعيد يقيني من دخانه "على الصباح والرباح".

أطفأ سيجارته وجاءني الرجلان حيث جلست.
هممت بلوم المدخن الذي لا يحفل بمضار التدخين وما دمره من صحته ثم لذت بالصمت لأني مدرك أن جوابه سيكون شر جواب. كان سيدافع بشراسة عن السيجارة ويبين لنا أن آثارها السلبية تأتي في آخر ترتيب أسباب الأمراض والأعراض، وقد يأخذه بها شيء من اﻹعجاب، فينبري يعدد مناقبها ومحاسنها بإسهاب وإطناب.

قلت:

"أي طب هذا وأي الأطباء أشاروا عليك بالتدخين دواء؟"

فإذا به لا يجيبني بالتحليل والحجاج بل ب:"قال وقال ويقولون".

أضحكني كلامه كما أضحكتني في كل مرة مظاهر النقل تغزو مواضع العقل. لقد اعتدنا ذلك في رواية الأحكام الشرعية والفتاوى وإسناد الأحاديث وإذا بنا نرصده أيضا في علوم الطب وأجوائها وعن السيجارة دائها ودوائها.

كذلك لفتني ذات ندوة علمية أن يعترف أحد الباحثين في اللغويات العربية بأن الجواب عن أسبقية المصدر أو أسبقية الفعل لم يحسم بالوصف والتحليل بل بنقل ما قاله في ذلك سيبويه أو ابن جني أو ابن يعيش!

نعم إنها اللسانيات بالنقل لا بالعقل، ولعلهم يمنحوننا قريبا - من أجل نقولنا لا عقولنا - جائزة نوبل... للعنعنة!