partage

حديث المقهى 3 .بقلم نبيل رضوان

2017/01/08 10:50

أبدأ اليوم على غير عادتي بتلك اللاّزمة كانت تأتي آخر الحديث لتذكّرنا بجائزة نوبل وكيف فزنا بها معتمدين على استثنائنا التونسي الخالص ما شاء الله. فقد قلت في نفسي: لماذا ترد لازمة جديرة بالتعظيم والإجلال بعد لهو الكلام و تحت لغو المقال؟ فلتكن اليوم أعلاه ثمّ ننحدر بعدها إلى التّفاهات والسخافات.
ذكّرتني كلمة "النّوابل" اخترتها جمعا منحوتا لــ:"نوبل" بقوم "أوقدوا الشرّ بينهم" و"أصابتهم الشدّة" فقيل فيهم كما يقول ابن منظور في "لسان العرب" عن عبارة "قد ثار حابلهم ونابلهم":

"والحابل ينصب الحبال والنابل يرمي النبل عن قوسه، وقد يضرب بهذا مثلا للقوم تنقلب أحوالهم ويثور بعضهم على بعض بعد السكون والرخاء"
وللفاهم أن يفهم...

وقد تفيد العبارة الاختلاط غير العادل، يحطّ من الشاهق ويرفع من السافل فيقال:
" حوّل حابله على نابله أي أعلاه على أسفله".

والمتأمّل في هذه العبارات كلّها يلحظ علاقة "نوبل" الواضحة بالحابل والنابل دالاّ ومدلولا...

مازلت مستغرقا في هذه التأمّلات الدلالية إذ بصاحبي يقول لي بين رشفتين، وقد لاحظ غيبوبتي غير مدرك ما كنت فيه من انصراف إلى لغة تفاجئني أجناسها وأجراسها:

" ألا تشرب غير القهوة؟ ألا تضيف إليها شيئا من الحليب؟"

نظرت إلى كوبه المملوء حليبا أبيض ناصعا ثمّ إلى فنجاني مملوءا قهوة سوداء ثمّ طويت لساني إلى أبعد غضروف من الحنجرة ولهاتها حتى أفخّم "الرّاء" وأعطيها ما يكفيها من المدّ والإشباع، وقلت مقلّدا نبرة أحد "العلماء"، الذي قد يكون إلى ربّه فقيرا من الفقراء، لكنّه في السياسة مفرّق أو كما يقولون من "الفرقاء":

" نحن نرى..."

إذ بصاحبي يكاد يغمى عليه من الضّحك قبل أن يسترجع أنفاسه ويلحّ:

"أكمل بالله عليك بقيّة الجملة."

قلت مفخّما ومضخّما:

"نحن نرى...أنّ القهوة صباحا تطير بجناحين... لا بل تحتسى على نحوين: فنجانين، لونين وقهوتين: قهوة بيضاء وقهوة سوداء!"