partage

حديث المقهى. بقلم نبيل رضوان

2016/12/22 10:04

تقديم: إن نبيل رضوان لمن أبرع الأقلام باللسانين العربي والفرنسي وهو أيضا من أبرز المترجمين (في الاتجاهين) نقاد الأدب. هو أيضا ناقدا (لاذعا عند الضرورة) لعديد الظواهر الاجتماعية ولعله يرى في ذلك دوره كمواطن في تطوير المجتمع بدفعه على استبطان السؤال النقدي كمحرك يومي في الحياة وفي العيش المشترك. انطلق منذ مدة (إثر شفائه والحمد لله من مرض محرج جدا) في كتابة نصوص باللسانين في هذا الصنف الاجتماعي وسمح لنا مشكورا أن ننشر بعضها على موقعنا، تعميما للفائدة. وهذا أول نص ننشره له

حديث المقهى

أعود إلى حديث مقهاي وكأنّه الحبيب الأوّل وما كنت والله لأتركه ـ ولو لحين ـ إلاّ إكراها على هجر من أحبّ وصبرا على بعض ما أكره.

أعود وقد اكتظّت في ذهني الأحاديث واشتبكت المسائل حتى ضاق بها صدري.
فمن أين أبدأ وقد بلغ العلم من الجهل قمّته وألبس الباطل الحقّ عمّته (بكسر العين) حتى باتت أبيات أبي العلاء مرجعي وسؤالي:

" في اللاّذقية فتنة ما بين أحمد والمسيح

هذا بناقوس يدقّ وذا بمئذنة يصيح

كلّ يعزّز دينه يا ليت شعري ماالصّحيح؟"

وإنّ للمقهى ـكالعادة ـ حسما في الموضوع مهما استعصى، وتقويما للتناقض مهما استقصى. هذه الرشفة الأولى والثانية تستلهم العقل الضائع وتبحث في سواد النسكافة الساخنة عن قرار المعنى الذي لم يعد وراءه معنى.

ألوذ بزاوية من الزوايا، وأبحث عن السّلوان في أحاديث الخفايا، عسى أن أنزع عنّي ما خلّفه خوار تلفزة البارحة من سقط البقايا.

يا حسرة على النيّام، لا يدركون الخيط الأبيض من الفجر وكيف تولد الأيّام!
يسهرون إلى آخر هزيع من الليل أمام شاشة بلهاء، ويستمعون إلى ساسة لا يبدعون إلآّ هراء. ألا ترون هذا الغبيّ العييّ يملي علينا تحريما وتجريما وينسى أنّه أفرغ من جاهل وأعيا من باقل؟ أهو المرشّح المقبل لنيل جائزة نوبل أم المنصّب قريبا وزيرا من الوزراء؟

وصل صديق من الأصدقاء، جلس وقال:  ما رأي سي نبيل في شجار البارحة على قناة الحوار ؟"

أجبت و قد كنت أنتظر مثل هذه الأسئلة التي يلقيها عادة المواطنون المغلوبون على أمرهم والذين يسمونهم في المشرق "غلابة":

" لم يفاجئني منه شيء. أما أنتم فواصلوا دهشتكم واستغرابكم وانتظروا المزيد. "

خيّم صمت رهيب حتّى لكأنّه الموت انسدل على مقهى النخيل بأكمله وكان الجوّ باردا رماديّا حزينا ولم يقطع مناحتنا الجماعية ـ وقد باتت وشيكة ـ إلاّ قدوم جيلبار وهو يأتينا متثاقلا. قال:
" صباح الخير" ثم جلس فلمحت تورّم الأرق في جفنيه وبريق الدموع في مقلتيه. سألت العاشق اللاّزم:
"مابك ياجيلبار؟"

فدندن بكلمات أغنية رائعة لحّنها السيد مكّاوي:

" الليل بدموعو قاسي (نطق القاف كما ينطقها المصريون)

يا ويلي من ساعاتو

الصبر لسّة ساكت

ويا ويلي من سكاتو"

قالها بنبرة الولهان، وتأوّه آهة هوى لها أحد وانهدّ ثهلان.

 

نبيل رضوان