partage

رأي: غير قابل للكسر ! بقلم النوري قرفال

2016/10/31 16:14

  لست قادما من كوكب آخر، أو بعيدا أو مغيّبا عن الشأن العام، لكن كلّ ما في الأمر أنّي اقتنعت بأنّنا نعيش سويّا في عالم متقلّب وغامض ومعقّد ولا شيء فيه مؤكّد. فحقيقة الأمس ليست حقيقة اليوم، وحلفاء الأمس هم أعداء اليوم، وواقعنا يتغيّر بنسق جنوني يصعب على المرء متابعته رغم تطوّر الأدوات ووفرة المعلومات. إذا ما الحلّ ؟ وكيف يمكن أن نحافظ على معنويات مرتفعة؟ وما الذي يدعونا للتفاؤل في هكذا واقع ؟

 الأمر ليس مستعصيا كما قد يبدوا لنا من أوّل وهلة، والحلّ يكمن في التركيز على الأشياء التي تخضع لسيطرتنا فقط ، وعدم هدر جهودنا في ما هو خارج عن سيطرتنا . لقد كتب المؤلف الأمريكي ستيفن كوفي في هذا المجال واستنتج قاعدة حياتيّة رائعة معروفة باسم 10/90 ومفادها بأنّ عشرة بالمائة فقط مما يحدث لنا يوميّا خارج عن سيطرتنا، أما البقيّة فهي نتيجة لردود أفعالنا. ولو راجعنا أنفسنا أو جلنا في محيطنا، لوجدنا كم من الأحداث البسيطة نتجت عنها مسلسلات محزنة أحيانا بسبب ردّات الأفعال السريعة والانفعاليّة منها خصوصا.  ما تقدّم من وصف لواقعنا، يتطلّب العديد من المهارات لتحقيق النجاح في شتى المجالات ولكسب التحديات التي نواجهها يوميّا، ومن أهمّ هذه المهارات " المرونة "، ومن هنا جاء العنوان " غير قابل للكسر " ، فمطلوب من المرء أن يعمل بالحكمة القائلة "لا تكن صلبا فتكسر ولا ليّنا فتعصر". وإن كانت المرونة مطلوبة في عصرنا الحديث ولها من الأهميّة ما جعلها محور اهتمام الكثيرين من قادة وكتاب وجامعيين ، إلا أنه بالإمكان تحفيز أنفسنا بشكل متواصل من خلال بعض الممارسات اليوميّة كالإقبال على الأنشطة التي ترفع مشاعرنا الإيجابيّة وإدراجها ضمن عاداتنا، والتوظيف الفعال لقدراتنا التي تميّزنا عن غيرنا وتشخيصها من خلال نجاحاتنا، وتعزيز علاقاتنا مع أصدقائنا، وإعطاء معنى لحياتنا يجعلنا نستمتع بما نفعل، وأخيرا وليس آخرا الاحتفال بإنجازاتنا وصناعة الفرحة عند تحقيق أيّ من أهدافنا.

إنّ كلّ منا يرى العالم بعينين مختلفتين، ومن زوايا أو مسافات متباعدة . وقد يصعب على البعض أن يتخيّل الصورة التي يراها غيره فيستغرب وربما يكشّر ويزمجر، فقط لأنّه لا يريد من كلّ العالم سوى أن يرى ما يرى هو بعينيه متناسيا أن يكون السبب حدّة بصره مقارنة بالآخرين كي لا أقول عكس ذلك ! عند الشعوب الراقية والمتحضّرة، الاختلاف ظاهرة صحيّة وملهمة وضرورية للعصف الذهني ومن ثمّ الخروج بحلول إبداعية مبتكرة . أما نحن، فلا زلنا نتعامل معها بسلبيّة، حتى تصبح مصدرا للقطيعة أو الكراهيّة. وعلى سبيل الذكر لا الحصر، قد نختلف في تقييمنا للواقع التونسي، فمنّا من يشعر بالإحباط أو ربما رمى المنديل، ومنّا المتفائلون بواقع أفضل وبالنجاح ولو بعد حين.

 رغم التعقيدات الخاضعة لحسابات القوى العظمى أو الإقليميّة منها ، ورغم المشهد السياسي الضبابي والاقتصادي الصعب والاجتماعي الفوضوي وكلّ ما يمكن أن يقال بخصوص الحالة التونسية ، فإنّ الصورة عن بعد تبقى ولا تزال جميلة، وما علينا سوى البناء عليها، وإصلاح الفاسد منها . أُدرك وأن الكثيرين في الداخل يستغربون هذا التقييم، وأرى ذلك طبيعيّا مقارنة مع سقف توقعات التونسي . كنت ولا زلت أستشهد بالمثل الجزائري " إلي شاف الموت يفرح بالحمّى "، نعم أمام المآسي التي نتابعها وبكلّ أسف في أغلب دول العالم العربي، تونس خرجت بأخفّ الأضرار رغم ثقلها ! علينا التركيز على نصف الكأس الملآن وأن نمرّ عاجلا للسرعة القصوى من أجل إعادة البناء، من أجل إيقاظ الضمائر ، من أجل نشر ثقافة العمل، وروح المواطنة، ومن أجل تكريس دولة القانون على الجميع ... بلا استثناء!  واجب علينا الصبر والمثابرة وعدم الاستسلام ، فليعطي كلّ منّا المثل ، لنبدء بإصلاح أنفسنا ولنتحمّل مسؤولياتنا تجاه الوطن . سؤال يجب أن لا يسأل "وقفت البلاد عليّا؟"... نعم ، البلاد تقف عليك وعلى كلّ تونسي ... أنا وأنت وأنتم جميعا... لو سقطنا في فخّ تبنّي ما يفعله الآخرون من مفاسد وتجاوزات للقانون وأفتينا لأنفسنا بجواز النسج على منوالهم، سيضيع الوطن سريعا وقد نبكيه يوم لا ينفع البكاء.

كثيرون يتمنون يأسكم واستسلامكم وانسحابكم لينعموا بالفراغ فرجاء لا تعطوهم هذه الفرصة ، وكونوا بالمرصاد رمزا للصمود والتصدّي لكلّ أعداء الوطن والإنسانية ، الذين لا يرون سوى مصالحهم الضيّقة وأرقام حساباتهم تتضاعف وفرص انقضاضهم على سلطة غير مستحقّة تتزايد . لشركاء النجاح والأمل والتفاؤل ، لعشاق الوطن ، ولأصحاب القيم ، ليعتبر كلّ منا نفسه المنقذ الأخير، آخر شمعة لا تزال تشتعل وبقدرتها أن تبعث النور في بقيّة الشموع لتضيء تونس ... كلّ تونس ، وأبعد من تونس !