partage

قضية أسامة الملولي بين الدين والسياسة

2016/10/01 21:03

آن الأوان ليضع التونسيون أنفسهم في محك الانخراط الفاعل والمجدي لصالح الوطن والمجتمع.

بالأمس أخذتنا الغفلة فاختل توازن المجتمع وإن سارت التنمية في الإيجاب النسبي وسكنّا إلى الاطمئنان دون أن نتفطن لما قد يخلف في البيت من شقوق ومطبات نستفيق لها مع هبوب العواصف.

أما اليوم، فها النزوات تحملنا إلى التخبّط في مهب الرياح الآتية من كل حدب وصوب فهزتنا تلك النشوة التي لا تنتهي والسكرة التي ليس منها صحوة، وهي في الحقيقة أخطر على بيتنا وأنكل بذواتنا وبكياننا الفردي والاجتماعي.

لنضرب مثلا ما ميز التعاليق التي تتالت وتعددت حول مشاركة البطل التونسي أسامة ملولي في حصة سمير الوافي "لمن يجرؤ فقط". كان من الطبيعي أن يثير ما قاله الملولي تعاليق متباينة حد التناقض ومواقف متعاندة حد التصادم، خاصة والحال ما عليه البلاد من تجاذب بين الأفكار السياسية والانتماءات الأيديولوجية. وهنا وجب التفطن لمواطن الخطأ والتنبيه لمزالقها وتبعاتها ومخاطرها.

أن ينحصر الاختلاف في التبارز بالحجج والتباين في التأويلات، فأهلا وسهلا بما أنّ ذلك يشكل ظاهرة صحية لاتساع مجال حرية التعبير ولتوفّر مكونات التحادث، أو حتى التحاور، ويعتبر الأمر إذن من ركائز المسار الديمقراطي.

أما أن يتحول الأمر إلى تقاذف بالشتائم والتجريح المبرح والنعوت المشينة والتجني المجاني، فذلك من علامات التخلف التي تشكك في الاستحقاق الديمقراطي وفي الالتزام الواعي بالوطنية المسؤولة.

لنؤكد أن العيب في ذات الحال محسوب على الشقين المذكورين في أغلب التعاليق: شق "العلمانيين الكفار من العاملين في إعلام العار ومن المتآمرين على الثورة لأنهم من أنصار النظام البائد"، إذ هكذا ينعتهم "خصومهم" الذين يعتبرون أنفسهم من "أهل الأخلاق ومن غير النفاق، يؤمنون بالله" ويعتقدون أنه كلفهم بمحاربة ذاكم الخصوم كأنهم خارجين عن الإيمان وعن الإسلام، متناسين أن لا أحد يقدر على الحكم بالإيمان من غيره إلا الله وحده.

في حقيقة الأمر، عاب البعض، وهم قلة، على الملولي نيته الانظمام إلى حركة النهضة وهذا عيب منهم لأن كل مواطن حر في انتماءاته السياسية ما دام يحترم غيره في ذات الحق. أما الذين آخذوه على تنكره للتاريخ وعلى محاولة تزييفه، خاصة في علاقته بالرئيس الأسبق وبسلطة الإشراف آنذاك، فلا عيب في ذلك بما أنه يندرج ضمن مقولة إرجاع ما لقيصر لصاحبه.

أما أن يتحرج أصحاب الشق الثاني من هذا النقد، وهم غالبا من مناصري النهضة، فقد يصحّ أيضا لو يتم في كنف اللياقة والاحترام المتبادل. لكن جلّه أتى في أسلوب عنيف، مشحون بالغيض والشتم والتجريح وخال من أي حجاج عقلاني أو استدلال غايته الإقناع. والغريب في الأمر أننا لم نسمع هذه الأصوات، في السابق لمّا كان الملولي في الصف المقابل، تهلل له وتمجد انتصاراته والذهب الذي وشح به النشيد الرسمي والراية الوطنية. هل أصبح إذن فعله هذا مجيدا حال ما قرر الاقتراب من النهضة.

هي دائما تلك اللعبة الخطيرة على وحدة الوطن والتي تخلط الدين بالسياسة بصفة مفرطة ومضرّة بهما معا. والغريب أن الملولي نفسه طرح القضية من نفس المنطق في رده على الذين سخروا "من الاتهامات الموجهة له بمحاولة التقرب من حركة النهضة"، فعلق على صفحته الرسمية بالفايسبوك: "البعض يسخر بدناءة و احتقار من الذين يتقربون من الله عز وجل وهم يحسبون حسابات تتجاوزهم وتتجاوز طاقة البشر البسيط المسكين مهما كبر جبروته أو إمكانياته البدنية والفكرية فالدعاء طريق النجاة، وسلم الوصول، ومطلب العارفين، ومطية الصالحين، ومفزع المظلومين، وملجأ المستضعفين، به تُستجلب النعم، وبمثله تُستدفع النقم. ما أشد حاجة العباد إليه، وما أعظم ضرورتهم إليه، لا يستغني عنه المسلم بحال من الأحوال. نسأل الله أن يجعلنا من مقيمي الصلاة ومن ذريتنا ويتقبل منا ومنكم الدعاء. نهاركم دائما فل و ياسمين بعلم اليقين والأخلاق الطيبة العالية والعمل الصالح".

اللهم إنك تهدي من أحببت لسبيل الإيمان، وتجعل من السباح داعية، لكنك الأعلم بأن السياسة فعل بشري يتحمل الإنسان مسؤوليته عليه؛ فليت البشر يعلمون أنه من الخطإ الدفع إلى التداخل غير المعقلن بين العقيدة وعقدة السلطة.

 الصادق عبدالرحمان